Posts from the ‘قصة’ Category

على طاولة الحوار (قصة قصيرة)

198646_352398251517472_155529047_n

أنتظرك هنا على المفرق ..

في انتظارك أتأمل كل التفاصيل, عدد حجارة الرصيف, الواجهات الزجاجية للمحال,

المارة, أشيح نظري عن عيونهم خجلا .. علّ انشغالي بها  تلك التفاصيل يجعل وقت انتظارك أقصر

.رجل عجوز يستند على عكازه, برققته شاب

العجوز يصر على أن يسير وحده تماما, وقفته غير متزنة جسده بكامله يميل للخلف يثبته بالعكاز قبل أن يهوي

 كل خطوة من خطواته لا تتجاوز  بضعة سنتمترات, لازال الشاب يصر على مجاورته

حين وصلت لانتظارك , لم بكن في الشارع.. أصبح في أوله .. هو الآن بقربي.. تجاوزني وابتعد!.

كل هذا الوقت انتظرتك ! كل هذه الخطوات العجوزة !

بمثل اصراره وبمثل خوف الشاب عليه .. أنتظرك

وبعد لحظات يرن هاتفي رنته الناعمة.. رسالة منك.. باعتذار شديد ومتأخر عن الموعد

عدم رؤيتك يسبب خيبة في داخلي, خيبة الانتظار الذي لايسقى

وفرح آخر للقاء آخر سيحدث وسأعيد فيه متعة انتظارك !

متعة أن أجهز نفسي للقائك, أن أجهز ثيابي, كحلتي, أحمر شفاهي, متعة أن تسيطر علي لهفتي وتسبقني إليك..

هذه اللهفة التي تشعرني أني على قيد الأمل..

………

أسير في الشوارع, كيف لكل التفاصيل التي لم أرها سابقا أن تقودني إليك؟

كيف تقربني كل الخطوات في دمشق منك؟
كيف تكون الأرض الحجرية في باب توما قطعة من ساعدك..؟
ومقاهي ساروجة تتكئ عشوائيا على خدودك؟
كيف تكون بسطات شارع الثورة نقشة في قميصك؟
والازدحام والوحشة في الشوارع كمجيئك وغيابك؟
كيف يوصل مطر دمشق الى عيونك؟
وكيف تصبح شفاهك ككل اوراق الشجر تلتقط منها حمامات دمشق الندى؟
وكيف يكون ضجيج دمشق كصوت نبضك؟
ولم رحيلك انت بوجع الغربة عن دمشق.
لم بكاؤك كحزن كل الوطن؟.
بارد موحش ويختنق..؟

….

لا أدي كيف أوصلتني خطواتي إلى طاولة في مقهى دمشقي ..

كان هناك بضع أصدقاء, وشباب ورجال لا أعرفهم ..

جلست على الطاولة , رائحة الدخان تملأ كل شيء, وضبابه يعبر العيون..

دخانك على الطاولة! تذكرتك!.. طغت رائحتك على كل شيء ونبت التبغ مجنونا على جسدي..

–          كيف حالك؟ لم نتعرف بعد..

قاطع الصوت إقامتي في العالم الذي أخاطبك به باستمرار

–          بخير, أنا ندى

دردشت قليلا مع الأصدقاء تعرفت إلى الموجودين بأسمائهم.. ودخلت صمت الإصغاء

ودخل النقاش احتدامه.. صوت معتق يبرز:

–          اليسار في سورية يعمل على تعزبز عمله, كل ما يحدث اليوم هو ثورة لرغيف الخبز.. رغيف الخبز جزء لا يتجزأ من الكرامة, من الحرية..

صوت خافت يجيب:

–          ما يحدث اليوم هو ثورة حرية وفقط يا أستاذي…ثورة حتى بسلاحها كان غاندي ليقدسها..

يقاطعه صوت أجش

–          هذا النظام الفاشي جعلها ثورة بنزين ومازوت وكهرباء أيضا ويضحك

صوت متزن يتكلم بهدوء:

–          نحن نسعى للحشد, حشد كل الشباب..

يضرب أحد الموجودين بضربة قوية على الطاولة ويصيح متكبرا:

–          ألا زلتم تسمونها ثورة ؟ انها الاجرام بكل ما تجسد من قوى .. يبدو أن لا نقاط أساسية لنتشارك في الحديث

ويقف بحركة واحدة دون أن ينظر لأحد..

يعود الصوت الأجش

–          ثورة رغم أنف نظامك ..

علت الأصوات, محاولات تهدئة من هنا, محاولات سخرية من هناك.. محاولات تدعو لخفض الصوت..

شعرت أني على طاولة حوار تلك التي ما توقفوا عن الحديث عنها وعن السعي لإقامتها وعن متطلباتها ومؤتمراتها

فجأة قطعت الكهرباء في المقهى ..

بدأ إشعال الشموع على كل الطاولات..

هل أخبرتك أن الشموع تذكرني بك؟, يوم أحببتك وأهديتني شمعة حمراء.. بقيت لدي أعوام دون أن أجرؤ على إشعالها .. وفي ليلة تحديت أنت فيها جنوني.. وحاولت مرارا تعليمي أن أستمتع بلحظتي’ أشعلت الشمعة ..

وحين أصبحت انا قادرة على إشعال شمعة, أصبحت أنت أكثر قدرة على تأجيل مواعيدنا!

حل صمت على الطاولة.. كسره الصوت نفسه الذي قاطع خلوتي بك في المرة الأولى وسألني

–          وأنتِ يا شابة؟ لم تشاركينا الحديث, ما رأيك؟

سرحت  بذاك اليساري الذي لازال يستخدم المصطلحات البرجوازية ويبني النظريات ويحدثني باللغة العربية الفصحى, ذاك العالق بين صفحات كتب كارل ماركس, وفكرت بذاك الذي يصف الكلمات المنمقة بين غاندي والسلاح , والآخر الذي مر عامان ولم يعرف بعد كيف يجمع الحشد. وبالاثنين  المتطرفين بأصواتهم العالية ثورة اجرام ونظام فاشي..

ربما لا أحد من هؤلاء سيء.. لكنهم بعيدون جدا عن الواقع وحتى عن الحلم!

سرحت طويلا طويلا , بصديقي المعتقل منذ عام ..بابتسامته.. بأصدقائه المبتسمين جميعا خلف القضبان

بكل كلمة نبيلة كتبها, بكل خطوة طاهرة للحرية مشيها.. بأنه هو في المعتقل وكل المجرمين خارجه!!

وخطر ببالي فجأة رسامي الكاريكتير الشباب, حيطان سراقب, مظاهرات في حلب

حملات توعية يقودها شباب, حملات إغاثة لا ينام شبابها.. مقالات وابداعات بطهارة التراب في بلادي

خطر ببالي سوق الحمدية, والكف التي احتضنتها هناك خوفا ..وشددتها حتى آلمتها

خطر ببالي ” الشعب السوري ما بينذل”

خطرت ببالي الحناجر كلها..

لم ليست هذه العناوين التي تتصدر أخبارنا؟

لم لسنا قادة المعركة.؟

سرحت طويلا طويلا.. بكل شهيد ..بكل ثكلى, بكل يتيم ..

غبت في كل طفل عاري القدمين في شوارع بلدي, في كل طفولة مشوهة  محرومة حتى ألعابها ( جيش وجيش حر)

غبت في الفقر, في الذل , في المجازر, في الطائفية, في الدمع ..  في الحجر في البشر في الذكريات ..

عبرت في رأسي في كل عين رأيتها لطفل, لشهيد, لام, لنازح, لمهجر .. آه.. ما أقسى العيون الحزينة!

خطر ببالي كل شباب بلادي بآرائهم المختلفة .. بحبهم لسورية

وتذكرتك..

وعاد ليسألني

–          يا شابة !  لم تجيبي ماذا فعلت في هذين العامين.لهذا البلد؟

فكرت .. هل سيفهم إن أخبرته؟

لازال ينتظر الجواب.. جاء جوابي هادئا

–          لقد أحببت في هذا البلد.. قصة حب أسطورية ..

صمتوا جميعا ..

أراقب نظراتهم لي كمراهقة لا تفهم في السياسة .. ولا تفهم كيف تدير شؤون البلد..

أمتعتني النظرة كثيرا

عادت الكهرباء .. تسارعوا لإطفاء الشمعة .. اعتذرت وهممت بالرحيل..

أتعلم؟ كان أروع ما قمت به أني أحببت في هذا البلد..

لقد ناضلت لأنشر حبا في هذا البلد, لأكتب قصيدة في زحمة مقالات السياسة والتحليلات, لأعانقك على صدى الرصاص, لأثبت أن الحب أقوى من الاختلاف, أن الحب لن يموت في دمشق ..

جئت أو اعتذرت.. أحببتك في سبيل الوطن..

Advertisements

عرزال -1

 صورة

كم مرة شعرت بتلك اللهفة إلى شخص ما, أو إلى أي من تفاصيله وتحركاته , تلك اللهفة المجنونة  التي تجعلك تلقي خلفها كل احتمالات التفكير وكل التفضيلات الأخرى , ولا تبالي بالنتائج  في سبيل إرضائها ؟

كم مرة شعرت بأن شخصا ما قادر على احتلال كفة الميزان الغالبة دوما , فلو وضع العالم بكل تفاصيله وضحكاته وفرصه ونشواته في إحدى كفتي ميزان  ووضع  ذاك الشخص في الأخرى لكانت كفته هي الراجحة, ولكنت سعيدا أكثر من لو أنك قد امتلكت الضحكات والنشوات كلها , سعيدا بكل تفاصيل هذه الكلمة ؟

كم مرة غزت وجهك عنوة تلك الابتسامة حين تفكر بشخص ما , ومهما حاولت ابقاءها في معتقل الروح كانت تأبى إلا التحرر إلى سطح وجهك ؟ , ليفهم البعض أنك واقع لا محالة في الحب وليظنك قليلو التجربة أحمقا يبتسم للاشيء

كم مرة أسرتك التفاصيل الصغيرة , تلك التي تصبح كشيفرات سرية لا يفهمها إلا أصحابها , كم مرة استطاعت أن ترسم لك عالما ساحرا بالغموض الذي فيه , الغموض الذي يراه الناس حين لايفهمونها ؟

فالصندوق الخزفي الصغير , هو تلك الهدية التي أرسلتها أنت عبر البريد قاطعة آلاف الكيلو مترات إلى حضن من تحب ليتذكرك كلّما فتحه وليضع فيه ربما ابتسامة , لكن هذا الصندوق الصغير بالنسبة للآخرين, كل الآخرين, هو مجرد صندوق خزفي صغير

وكلمة ” دائما ” هي مجرد كلمة من أربع حروف تعني الاستمرارية بالنسبة للآخرين الذين لا يملكون تفاصيل العالم الخاص ذاك الذي كانت فيه هذه الكلمة مفتاح أمان يردده نضال باستمرار , يقتل فيه المسافات فيردد لي “ندى , سأحبك دائما “

ليقتل بها كل حماقاتي الطفولية وغيرتي اللامنطقية وخوفي , خوفي المتزايد من إحصاء كل المسافات التي بيننا وكل ما تحتويه من تفاصيل . من جبال وأشجار وبيوت وحجارة وحصى وعصافير , وقصص وحكايا وساعات وأرقام ..

حين كانت تصل الرسالة من نضال  , أو يظهر رقمه في هاتفي كانت تلك اللهفة التواقة تعتريني لأكون على استعداد لإضرام الحرائق في  العالم من خلفي في سبيل قطرة الماء التي ستصل من تلك المكالمة الهاتفية.. وابتسم حين ينتهي حديثنا دون اكتفاء ساكنة في عالم التفاصيل الصغيرة التي لا يفهم  شيفراتها السرية إلا أنا ونضال , تلك  التفاصيل التي تشكل عرزالي  الآمن على شجرة تمسكت جذورها بالأرض ..

وكان نضال هو الأرض , هو كل الوطن الذي أهاجر منه إليه .. وأنفى من كل الأوطان لأحط رغم المسافات بين ذراعيه ..

كم مرة استطعت أن تبني عرزالا آمنا في أرض وطنك ؟

قد لا تستطيع فعل ذلك يوما .

قد لا تستطيع مهما حاولت امتلاك اللهفة تجاه شخص ما  , وقد لا يقدر أحد أن يستحوذ يوما كفة ميزانك الراجحة , قد لا تغزوك سطح وجهك  يوما ابتسامة , وقد لاتملك وطنا ولا أرضا ولا عرزالا للتفاصيل الخفية  , وقد لا تكون لديك أية رغبة في إحراق العالم , من أجل قطرة ماء ..

قد لا تمر يوما بذاك الذي يدعى ” حب ” , أو ربما هو لن يمر بك , لأنه يأتي دون سبب فنحن نحب شخصا ما دون أن ندري كيف أو متى أو لماذا , نحبه دون تعليل أو سبب , نحبه لأننا نحبه , فوجوده وغاية وجوده هما الأمران ذاتهما ..

لذلك , إن مرّ يوما وقرع أبوابك عليك أن تفتح الباب , و تجعل زيارته طويلة قدر الإمكان , و إن صالحتك الأمكنة و الأزمان , والعقد البشرية , ربما تقنعه بالبقاء لتتشاركا الأرض و تزرعا شجرة من أجل العرزال !

……

يتبع..

الصورة من الانترنت بعدسة إيهاب سلطان, عرزال في نهر زغرين

الوهن ( قصة قصيرة )

فجأة ارتعد الناس خلف نوافذهم لا يتجرأون حتى على رفع الستارة , فقط صوت اطلاق النار من يطغى على الأجواء

ساعات ولا يحيط بها إلا جدران البيت , وكأن الرصاصات تدق هذه الجدران لتضيق وتضيق و تزيد اختناقي

وبعد هذه الساعات حل هدوء ما بعد العاصفة …

الآن تتصل الأسماء والأوراح ببعضها للاطمئنان ..

كنت أفكر  أين آدم ؟ هل حل به مكروه لم يمر من حارتنا بعد ..

حل المساء , أين آدم . ؟ البدر في السماء وكأنه خد كبير على يمينه نجمة وعلى يساره أخرى , وكأنه يبكي

أين آدم . ؟

رأته على شاشة التلفاز , في أحد المشافي بنزف دما وعيونه كانت ترقبها تبتسم وتبكي معا

أخبروها أنها رصاصة طائشة وهو يعبر الشارع وهو يحمل لافتة ما بشعار ما على صدره .. وأنه ليس الوحيد هناك طفل أيضا كان في الشارع صدفة

 ماهو ذاك الشعار حتى كلفه حياته !؟ وماذنب طفل بريء ؟

هنا تذكرت كل مرة كانت معه فيها يعبرون الشارع لتنسل يده على كتفها ويحميها من الطريق ,  من الأضواء من السيارات من الهواء المعاكس  , كانت تعتقد أنها حيلة بريئة ليلامس كتفها أو ربما ليضمها دون لفت الأنظار

ولكنها اليوم أدركت أن عبور الشارع يحتاج للحماية في زمن في طرفي شارعه الرصاص والصدور العارية

تمنت لو أنها كانت معه لربما وضعت يدها على كتفه , وحمته كما كان دوما يحميها ..

انسلت قنوات التلفزة من حولها كانت أضواء كاميراتهم تعبر من بين دموعها , ليسألوها أن تروي القصة , أن توجه اتهامها , أن تدين فلان , او تدين فلان في الطرف المعاكس , كانوا لا يأبهون أن تعيد القصة مرارا ومرارا , وتعيشها ألف مرة حتى تفقد انسانيتها وتتشبع بكل غرائز الحقد والانهزام , هم حقا لا يأبهون لآدم

هي أرادت أن تتحدث عنه هو , وليس عن موته

بصوت عال قالت : لم يكن آدم ملاكا , لم يكن انسانا مثاليا , كان بشرا بكل معنى الكلمة , كنت أكره كيف يرمي أوراقه من النافذة وكيف لا يأبه لكل محاولاتي بجعله يحافظ على النظافة , كان فوضويا , كنت أكره تسريحة شعره , وعناده الطفولي رغم أنه مخطئ , وأعود لأحبه أكثر حين يمر من حارتنا ويعطي الأطفال الصغار البسكويت وأطايب الأطفال ,

وكيف ينتظر بمكر رحيل والدي كي يقف تحت نافذتي لبضع دقائق , كنت أحب قصائدهرغم أنها سيئة

كان شابا له أحلامه بالأمن والحرية والحب والعمل

كان بشرا , كان انسانا ! وما قتله إلا أخوه الانسان

لكنه الآن روح تحيط بهذه المدينة , تنشر الأمل والحزن معا , ربما هوأكثر منا حقيقة .. هو الحقيقة ونحن الخيال .. ربما هو من بقي ونحن الراحلون منذ الأزل

ألا ترون كم هي حزينة هذه المدينة ؟ لرحيل آدم ومحمد وعلي عيسى وحسين  وأحمد وطارق ولؤي ….؟ , من قال أن الأمكنة لا تشعر ؟ المدينة كلها كانت حزينة
شيء ما في الهواء حزين في زوايا الطرقات , في عيون السماء ,شيء ما في الصمت المدوي , شيء ما في تغريد العصافير ,شيء ما كان ينشر البكاء
شيء ما في كل شيء وربما في اللاشيء كان حزينا على الشهداء

بعد أن روت القصة حتى جف حلقها وسكنه الحزن سألها أحدهم                                                                                 

–          ما هو شعورك ؟

–          ( شعرت بسخف السؤال )  أجابته أشعربالجنون وبكثير من الوهن !  جسديا ونفسيا

–          من الذي أصابك بالوهن  ؟

–          أصابع اليد التي أطلقت الرصاصة , السلاح , الرصاصة , الهواء الذي حملها , صدر آدم الذي احتواها كلهم يشعرونني بالوهن  , الدم , عيناه الحزينتان , أم آدم , أبوه , أخوته الصغار , أنا ووهني نصيبني بالوهن , جارنا أبو محمود الذي يبني عمارا مخالفا لينتهز الأوضاع في ظل ما يحدث , ومعرفتي بأن فقره يجبره على ذلك يصيبني بالوهن أكثر .  حزام الأمان في السيارات الآن يصيبني بالوهن , لا أحد يخاف من مخالفة انتزاعه , الأطفال يصيبونني بالوهن في هذه الأيام ,رفض أخي الصغير من الذهاب إلى المدرسة خوفا من أن يموت , فلازالت صور الشهداء ترسخ بذاكرته من التلفاز , يوهن نفسيتي  أطفال الشوارع  فرغم أن كل شيء ليس في مكانه اليوم لازال هؤلاء الأطفال المستغلين المشردين في الشوارع وحدهم من يحتفظون بأمكنتهم ليسألونا الصدقة وننهرهم من جديد , فقط في قضيتهم لم يتغير شيء ,الفقر يصيبني بالوهن ,  الكذب يصيبني بالوهن , الاعلام والإعلان , الرد والرد المعاكس , الأفكار والسياسات والخطوط العريضة والخطوط الضيقة , المقابلات والتحليلات السياسية , المشهد الأصلي والمشهد الممنتج ,

الصوت العالي يا سيدي يصيبني بالوهن , إن غرّد عصفور على نافذتي وأنا نائمة بصوت عالي أخاف من صوته وأعتقد أن في حنجرته رصاصة, الاختيار بين الماء والهواء بين الأمن والحرية بين أبي و أمي يصيبني بالوهن , الاعتقالات السياسية والمحاكمات تصيبني بالوهن

الظلم .. الظلم .. الظلم .. والخوف يحتلون الوهن الأكبر

أنت وأسئلتك تصيبني بالوهن , ولكن أستطيع أن أخبرك أن أكثر ما يصيبني بالوهن هي كلمة ” وهن بحد ذاتها ” !

دعك من وهني  , ولنصلي لروح آدم وأصدقائه ,فهم الحكاية ولست أنا  لست أنت ,  ولنطلب الرحمة والغفران منهم ولهم ..

تمت

القصة مهداة إلى كل شهداء سوريا الذين سقطوا في الأحداث الأخيرة

شريط وردي

كان الأمر عصيّا على التصديق , ..
تاريخ أحزاني و بؤس من حولي يجعل سعادتي الدائمة معه, أمرا عصيّا على التصديق
سعادتي تلك التي أنجبتها من رحم قلبه , لها حدّة عينيه , وملامح تفاصيله , لهما ذات الضحكة , ورثت زمرة دمه و ندبة أنيقة في جبينه ,كانت سرّ أبيها , سعادتي تلك هي طفلتي منه , تلك التي تبهجني وتجعلني في أرق دائم
أخاف عليها ! طفلتي هذه عصيّة على التصديق ..
كنت دوما أشعر ان الأمر أصعب من أن يكون حقيقة , فكم مرّة يمكن للقدر أن يقبل بجمع امرأة مع فارس أحلامها الخيالي ؟ , أن تجده فجأة وتعلم أنه هو فارس الأحلام دون سابق تخطيط أو مواصفات
كنت أحتفل كل يوم على مرور يوم جديد لنا معا , كنت أحصي الأيام وكأني أحاول أن أخلق ضمانة لطفلتي كلما كبر الرقم أكثر .. وكأنه رصيدها في البنك الذي ستؤسس فيه مستقبلها ..
كل يوم جديد بحة صوته تخبرني و لم أعد أشعر أنها عصية على التصديق , انتابني شعور مفرط بالأمان ومفاجئ همس لي
وآمنت أن طفلتي ستكبر وتكبر دون توقف..
كنت أكتب رسالة إليك , أردت أن أخبرك ” حبيبي ابنتنا ستكبر , لن أفرط في حمايتها بعد اليوم , كي لا تهرب مني ”
لكن ألما في يدي أوقفني عن كتابة الرسالة , أخذت حبة المسكن التي اعتدتها كلما آلمتني يدي ,وتابعت رسالتي إليك
في تلك الليلة كان الألم يسري صعودا إلى كتفي , ويلكز في صدري , ويعود إلى كتفي هبوطا إلى يدي
هذه هي رحلته , وكأنّ يدي سكةً لقطار سريع في ساحة للملاهي , يقطعها مليئا بالأطفال الذين يصرخون خوفا وفرحا
كان صدى صرخاتهم يصل إلى فمي , فأقول الـ آه دون أن أدري , وأحيانا أحاول أن أدمدم أغنية ما لتطغى على أصواتهم ويساعدني المسكن بذلك أحيانا
كان الألم موجود, ولكني بطريقة ما لم أكترث له , كان لدي من السعادة والراحة معك فائض يتغلب على أي محاولة ألم
فقد كنت تشغل خلاياي , فلا أشعر ان هناك وقت للألم !
في اليوم التالي كنت أشعر بثقل في رأسي , تلك المسكنات كانت تحتاج لعشرات الساعات من النوم وأنا لم أكن أملك إحداها
قررت الذهاب للطبيب , تخلصا من آثار المسكنات , ذهبت و أنا على يقين أنني أذهب من باب الرفاهية ,
كنت أجلس أمام الطبيب , أشرت له لمكان الألم وطريق عبوره وصولا إلى القلب .. وصولا إليك !
فكرت في سري ربما هو حبك كبر بشدة وماعاد قلبي يتسع له .. ضحكت بسري كالمجنونة بينما كان الطبيب يفحصني
كان يلمس صدري بيديه و كأنه يبحث عن شيء ما , أربكني تنقل يديه وعبوس وجهه
لمس شيئا ما , صمت قليلا و أخبرني دون تردد يبدو أنها كتلة
أنا لازلت لا أعطي الأمر أية أهمية , ولا حتى للهجته القاتمة أو عبوسه المفرط
أخبرني أن عليه أن يجري المزيد من التحاليل وأن يأخذ خزعة ليرى إن كانت الكتلة سليمة
أجبته بأني سأعود في وقت لاحق لأقوم بذلك ..وقررت ألا أعود .. لا أدري لماذا !
ربما كان خوفا , أو هروبا , أو عدم مبالاة , أو ربما كانت سعادتي تجعل احتمال مرضي أمرا مثلها عصيا على التصديق
ومرت أيام.. كنت فيها في قمة السعادة وفي قمة الألم
كنت أريد أن أخبرك , و كلما وصلت الكلمة لحدود الشفاه أتردد , كي لا تحسب أني مريضة بحق , فتقلق
لكني في لحظة من ذاك الألم .. أخبرتك ,
أصابك هلع كبير يومها أتذكر ؟ , و طلبت مني أن أذهب للطبيب , وأجري التحاليل
يومها , خوفك انتقل إلي , وبدأت أفكر جديا في الموضوع
هل سأكون مريضة حقا ؟؟
وبدأت ألتمس تلك الكتلة , وسألت نفسي هل من الممكن لقطعة من جسدي ألا تكون صديقتي ؟
في اليوم التالي ذهبت للطبيب سرا , لم أخبر أمي أو أخوتي , كنت أكره نقل القلق
أجرى لي الخزعة , وأخبرني أنّ نتيجة التحاليل تحتاج ما يقارب الأسبوع
كنت أفكر , وهل سأنتظر أسبوعا كاملا متأرجحة بين احتمال الموت والحياة ؟
كان حمل الوقت على كتفي الاحتمال أثقل مما يبدو , لم أكن أريدك أن تحمل ذاك الثقل أيضا
حين سألتني بلهفة , كنت أبلع دمعاتي لا أدري لم انتابني الخوف يومها
أخبرتك أنّ الأمور بخير , وأن الطبيب نفى لي احتمال أي مرض
أخبرتك أني سأسافر لاستشارة طبيب بضعة أيام
سامحني كذبت يومها , كنت أبتعد فقط , فقد خفت أن يخضعني الألم والقلق فأبوح بخوفي كاملا ..
اختبأت لعدة أيام , كانت طويلة , وثقيلة , وكان ذاك القطار يعبر باستمرار في يدي , ويطلق صفارته في صدري
كان الأطفال لازالوا يصرخون حتى وأنا نائمة ..
حاولت أن أخفف ألمي وفكرت , على الأقل الأطفال سعداء!
وأخيرا غدا سأعرف نتيجة خزعتي وأعود من سفري الزائف ,
ذهبت للطبيب سرا أيضا ,
وبينما كنت أقف على الباب , فكرت ألا أدخل , وألا أعرف النتيجة أبدا .. ببساطة
لكني لم أستطع , لطالما أحببت ألم الحقيقة
سلمني الطبيب ظرفا بني اللون , لم أفتحه , فضلت أن أنظر إلى عينيه مباشرة كمن ينتظر الخبر
أخبرني بشكل قاطع , شعرت وقتها أنه عديم الإحساس و لا مبال : “سرطان الثدي ” من الدرجة..
لم أعد أسمع حديثه ,قلت له شكرا , سأعود لاحقا وخرجت مسرعة
لا أدري لم شكرته يوما , ولم حملته وزر مرضي أيضا !
بدأت أسير بلا هدى , أفكر بك , و بأمي , بأبي , بأخوتي , بأصدقائي , بكل من أحبهم !
هل سأموت ؟
لم يكن فقدان الحياة ما يبكيني حينها , بل فقدانهم , كل أحبتي
لم أستوعب الأمر وعدت أكلمك وأخبرك أني عدت من السفر وأن الأمور كلها بخير
عاتبتني لأني لم أتصل بك , فأخبرتك أني لم أستطع إجراء اي اتصال
لم أكذب حينها , في منطقة الانتظار , لا تستطع إجراء أي اتصال , لا تستطع إلا انتظار الرنين المطلوب
مرت أيام كنت أفكر بها ماذا علي أن أفعل ..
كانت طفلتي لازالت بصحة جيدة , كانت تتنفس على صدى صوتك , أو ربما فقط على حقيقة وجودك
حينها قررت ألا أفسد سعادتك , وقررت ألا أخبرك أبدا , قررت ألا أخبر أحدا أبدا
لم يكن نقل الأحزان يوما أدائي , و لم أشأ يوما للحب أن يتحول لا إراديا إلى شفقة
كنت أريد أن تتشاجر معي إن أردت ذلك , أن تعاندني , أن نكون في علاقة طبيعية , لا يعلم ظروفها غير الطبيعية سواي
وليتني لم أكن أعلم ..
مضى شهران , كان ذاك القطار يزيد سرعته , و كأن الأطفال يدعون أصدقائهم الكثر , ويصرخون بكل قوتهم
ولازالت تلك الصفارة تقرع في صدري
ويوما بعد يوم , كنت أشعر أن سكة ذاك القطار بدأت تصدأ , فكان مروره يدوي أزيزا على ساعدي
لم ألجأ إلا للمسكنات , لم أشأ أن أفقد شعري , ولم أشأ أن أفقد ثديي
لم أشأ أن أمنحك نصف امرأة , ولم اتجرأ على فقدان نصفي من أجل أيام إضافية
كنت أهرب من فكرة ” وماذا بعد ؟ ”
وأعتقد بكل حماقة أنّ حلّا ما سيهبط فجأة دون دواء دون علاج , ودون أن تعلم أنت
حينها لم يكن النوم نوما حقا , كان ليلا طويلا لم يرافقني به إلا الله , ودعواتي له بأن يخفف ألمي
كان النوم محاولات لغفوة لا تستمر لأكثر من خمس دقايق لتنتهي بكلمة ” آه ” ,وبأفكار تجرها أفكار ..
مضى شهران , في كل يوم فيهما كنت أريد أن أخبر أحدا ما , أريد أن أخبرك أنت
وأكتفي بالصمت , لكن تلك السعادة بداخلي لم تتزعزع رغم كل شيء
لكنّي تغيرت , ربما هي المسكنات , أو ربما هو ذاك السر الكبير الذي أخفيه عنك
أو ربما هي حاجتي المستميتة إليك , أصبحت كالأطفال , عصبية بشدة , أشعر بأنك لا تفهمني
ثقلت خلافاتنا بثقل السر في داخلي , وشعرت أننا نبعد
وفي ذات ليلة , وقبل أن يبدأ القطار برحلاته الليلية
قررت أن أخبرك , أخبرتك أني أحتاج التحدث إليك , وحين وصلت
استجمعت شجاعتي ورددت الكلمات بداخلي ” أنا مريضة , وأحتاجك ”
وحين سألتني عن ماذا تريدين التحدث , أخبرتك ” أريد أن نفترق , كبرت خلافاتنا ”
لا أدري , ما هو الطريق الذي تسير به الكلمات من داخلنا إلى أفواهنا , لا أدري أي عوامل وأي أفكار تؤثر بها
لتجعلها تبرمج بهذا الشكل المعقد
أذكر أنك صمت قليلا . . وأخبرتني كما تريدين
ومضينا .. لم تثر بثوراتك المجنونة
حينها غضبت منك لأيام قليلة , وبعدها تابعت حبك أكثر
افترقنا .. ربما ذاك هو القرار الأنسب , ربما أفكاري الداخلية نطقته
ربما أفكاري عن موتي وكم ستحزن بسببي جعلتني أنطقه …
افترقنا لم يكن الأمر بتلك السهولة , لكن الألم الذي يرافق المرض جعل أفكاري مختلفة
كنت أحبك دون غيرتي المجنونة بك . ودون أن أبالي إن أحببت كل النساء أو عاشرت كل النساء أو حتى إن افترقنا ولم نعد يوما
كنا مترابطين روحيا , فلا زلت والد طفلتي , لازال شيء كبير يجمعنا

الآن .. مضى عامان ولازلت لليوم أرقبك من بعيد
وبشكل مختلف , أخبرتك كم هو غريب المرض وغريب الألم الذي يصحبه وما هو قادر على أن يفعله
لم أعد أملك الطفولة ذاتها لم أعد أبالي بكثير من الأشياء ,لم تعد الثياب والموضات هوسي , ما عدت أغارك كالمجانين ,لم أعد أحب المنافسة , لم أعد أجادل على القطعة الأخيرة من البسكويت ,
مضى عامان
كنت في كثير من الأحيان أتحدث عن الأمل كي لا يميتني اليأس ,
لم يتغير شيء , سوى أنّ ملامحي اختلفت بضع الشيء , اعتدت الألم , وكأنه طقوس خاصة أمارسها , لم أعد أخافه كما البداية
لم يتغير شيء , لكن السر لم يعد سرا تماما , علم به بعض الأشخاص رغما عن إرادتي
ورغم أني تضايقت بداية إلا أني شعرت براحة المشاركة وبأن أحد آخر يعلم , شخصا آخر قد ألجأ إليه
وسأصلي لربي ليسامحني على الألم الذي قد أسببه له
مضى عامان … و لم أمت حتى الآن !
ما قتلني حقا هو فراقك انت ..لم أكن أحسب أني سأعيش عمرا بعيدا عنك !
لم أفكر في هذا , كنت أعتقد أنّ الأمر لن يستغرق طويلا
مضى عامان وربما يمر آخران ..
وأنا في كل ليلة أفكر بك , وأفكر ما كان سيحدث لو بقينا معا ؟
كثيرا ما كان الجواب الذي يخطرني , لعلي كنت شفيت
منذ أيام , رفض طبيبي أن يخبرني كم يوما تبقى لدي
وأخبرني أنّ الأمل موجود , وأنّ علي أن أؤمن به
فشعرت بأني خنت الأمل على مدار عامين , وخنت حياتي قتلتها قبل أن تنتهي , خنتك وخنت كل من يحبني
هاهي النقطة في نهاية السطر سأضعها وألف رسالتي بشريط وردي – ذاك الذي أهدوني إياه في حملة لمكافحة المرض –
وأعطيها رسالتي إليك , وللملأ :

مريضة أنا و الأمل موجود ! لا تنفك تلك العبارة تتردد في رأسي وتغريني
غدا سأبدأ علاجي الكيماوي , وربما أخضع لعمل جراحي
حتى لو فقدت شعري , و ثديي , أنا أنثى في روحي
ليس فقط من أجلي , بل من أجل طفلتي التي من حقها أن تعيش ..

….
هذه القصة مستوحاة من قصة حقيقية
و مهداة للنساء المصابات بسرطان الثدي بدعوة للنضال وعدم الاستسلام : )

لحظــة وفاء

ذات سنين ضجرت هذه الشوارع من عيوني وأنا أبتلع ببلاهة أدنى تفاصيلها

و كأني أداعب الوهم في أمنياتي بأني إن نظرت بإمعان أكثر قد أراك هنا ,

وأغرسك شجرة دائمة الخضرة لأستظل بأغصان ذراعيك

وأحيانا كنت أخلق نظرية تجعلني أثق بأني إن مشيت بتأن أكثر قد أسمع وقع خطواتك على أرصفتها أو

صدى ضحكاتك يرتطم بجدرانها

وحين أفشل , كنت أنقض نظريتي السابقة و أفتعل أخرى مناقضة تجعلني أسير بعجلة كي ألحق طيفك الذي فاتني إلى حيث لا أدري

ولطالما كنت أعلم أني مهما بدلت مقاس خطوتي , مهما راقصت الجدران , واستحضرت الذكريات , لن أراك ,

وستبقى ” المسافات تنأى ما بيننا “

 

وبلحظة مزدوجة الزمن أطول من عمري كاملا وأسرع من أن أراها

أنبت الكبرياء بيننا عرائش الياسمين التي كنا نتغزل بها , أنبع البحار ومدّ السماء

لتطول المسافات أكثر .. وتضمر حدود يدينا ..

 

وفي لحظة أخرى كاللحظات التي تسأل نفسك بها ان كانت حقيقة أو خيال

لحظة كان علي أن أدعي فيها اللامبالاة .. في تلك اللحظة سمعت عن خبر زواجك بعد أقل من شهر

, كان كالصاعقة .. لكنها لم تصبني بالحزن وحده بل أصابتني بالغضب الذي خدّرحزني

غضب لا أدري من أين أتى .. ربما لأني لازلت في فترات الحداد , لازلت غارقة حتى عيني بالذكريات

مولعة بالأشواق .. كنت لازلت أرغب أحيانا بأن أمسك هاتفي وأتصل بك وندعي أن شيئا لم يكن

فهل يموت الحب ببعض الجنون والغباء؟

 

دارت عجلة الحياة .. فكان علينا أن نتسابق في النهوض والنسيان

تزوج كل منّــا ..

وكان ما يحدث معي شيء من اللانسيان المنسي .. !

كنت لا تشغل تفكيري , أحببت زوجي وأحبني ..

أحببت تفاصيله وكنت أصهر نفسي فيها

ولكنك كنت تعبر أفكاري إن جئت لأضمه .. أو إن أمسكت يده .. أو إن أحببته جدا !

كنت أعجب كيف تدخل بيننا وأنا حقا لا أفكر بك !

وحين لا تنسل لتفكيري , كنت من العدم تنسل لأحلامي ..

وكان ما يقلقني أني استيقظ سعيدة وأتمنى من الحلم ألا ينتهي ..

و لكن حين أصحو تماما .. كنت أقرفني

كنت أشعر أني خائنة .. كانت فكرة الخيانة تستحوذ أعماقي

خائنة لك بزواجي , وخائنة لزوجي باحتلالك أعماق أفكاري

وفي الحالتين لم يكن الأمر بيدي .. فلا أنت لي ولا أفكاري تحت سيطرتي

 

كنت أسأل نفسي كم هي الأيام التي تلزم كي تنسى شخصا ما ؟

مرت حتى الآن عشر سنوات ولازلت بومضات كطيف تعبرني ..بطعنة بطيئة لذيذة موجعة

 

.. اليوم أعبر هذه الشوارع من جديد , أبحث لزوجي عن هدية في عيد ميلاده

كنت أنظر إلى زجاج المحلات , وكأني لا أرى شيئا تجمد عيوني في نقطة المدى البعيدة على الزجاج .. وأشرد

أشرد في اللاشيء وفي كل شيء .. كنت أبحث عن الهدية المثالية

وفجأة لمع بريق في زجاج المحل أيقظ شرودي

كانت ساعة فضية .. أرقامها صغيرة وفيها دوائر لثلاثة تواقيت مختلفة

شعرت أنها مثلي .. تدور بلا هدى , كلما حاولت الوصول إلى شيء يعيدها الروتين إلى نقطة البدء

فكرت .. لعل أرقامها الصغيرة تنسينا الوقت , وأوقاتها المختلفة تجدد الروتين .. ولعلك أنت لا تجد مكانا شاغرا بها ..

شيء ما في تلك الساعة جذبني إليها .. فعزمت على شرائها

قبل أن أدخل رنّ هاتفي , إنه زوجي باسم , سيأتي ليقلني , كان علي أن أشتري الهدية قبل وصوله

دخلت إلى البائع على عجل , أشرت إلى الساعة الموجودة على الزجاج فلم أجدها !

خرجت أتأكد من جديد وعدت , وصفت له الساعة فأخبرني أن شخصا ما يجربها وأشار إلى الشخص

نظرت إلى نهاية اصبعه وتبعت المدى الى وجه الشخص ..

فقادني إليك !

ويحي لماذا أشعر برغبة في البكاء !

التقت أعيننا لثانية كنت أشعر فيها بالسعادة ةالخيانة معا , ما عدت قادرة على الكلام , وما كنت لأقبل أن ترى دمعاتي !

كيف أبقى غاضبة منك بعد كل تلك السنون .. لم أغفر لك بعد

كنت أفكر هل أقترب وأضمك .. أم أخبرك أني أشتاقك ؟

كانت شفاهي ترتعد بصمت وكأني إن نطقت بأي كلمة سينفجر الاشتياق بكاء

كنت تنظر إلي وكانك تقول شيئا ما .. وكنت أنظر إليك وكأني لا أعرف الاجابة

فتح باب المحل ..دخلت امرأة ورجل

زوجي .. وزوجتك

أنا شعرت كمن ضبط وهو يمارس الخيانة .

دارت في ذاكرتي بقايا الذكريات

من البائع ذاته اشنريت لك عقدا فضي , في ذات الحارة كنا نحلم بالسير لقطف الياسمين

تذكرت يوم زفافي , زوجي العطوف باسم , رائحته , رائحتك , أذكر كيف نستني ! .

أذكر كم أكرهك , لا بل كم أحبك , لا بل كم أحب باسم , أذكر ان ولائي لباسم , لا بل ولائي لك

أدرك أني بحالة رثة اليوم , أفكر بالساعة , أنساها ,

انتهت الثانية .. وحينها ادركت كم تتسع الثانية من أفكار .

 

أدركت أني أخون باسم .. وبأني بكل غباء أعتقد أني أخونك ..

لكني لأول مرّة أدرك أني لم أكن أخون إلا ذاتي بكما !

كيف لم أدرك قبلا ..

لم أنظر إليك , ولم أودع باسم ..

و خرجت بخطى ثابتة و بنفس فيه عبق الحرية وبعين دامعة باتجاه لحظة الوفاء..

 

 

تمت في شباط 2010

 …..

* هذه القصة مستوحاة من قصة حقيقة روتها لي إحدى صديقاتي لكنها مختلفة في التفاصيل والنهاية ..

أهديها لها 🙂

عشوائيـــات منسيــة \ عن المرأة \

 

ملاحظة للبدء :  الأحداث قصة حقيقة ,قد تتشابه الأسماء فيها مع الواقع وقد تختلف , لا يهم , فلا أحد يبحث  هنا !

 

-1-

(( شوارع ))

 

لا نستطيع أن نتجاهل أننا ” أبناء شوارع ” أبناء الشوارع التي ترعرعنا بها .

ومن هنا تنبع تلك الأمنية  التي أتلوها كل صباح :

ليت الشوارع  , حين تُنسى ,  تُنسى وحدها .. ولكن النسيان حيت يأتي يأبى إلا أن  يحمل معه أُناسها

 وتفاصيل حياةكاملة تعبث داخلها .

 

أعود من عملي , أسير في الطرقات  وأنا أشعر أنها تبصقني ..

تبصق تعلمي , وعملي , وملابسي , ورفاقي , وكل أفكاري ..

لست أنتمي لهنا ..

أرفض ما حولي , وما حولي يرفضني , ويأبى القدر إلا أن يجمعنا في مكان واحد !

هنا في حارتنا ..

حيث النظرات تعريني حتى من ذاتي ..

 هنا أكره فصل الشتاء لأن الأمطار تكاد تُغرق ما حولها

و المزيج الطيني الذي يكسي الطرقات يكاد يأخذ ما تبقى من الحذاء , والرطوبة تكاد تفتت الجدران ..

وأكره فصل الصيف , فجميعنا نعلم المزيج الحَشَري المتأتي من الحر وأكياس القمامة

ولو أني كما أهالي حارتنا لا أملك عملا يخرجني من هنا  لما لاحظت مرور الخريف أو الربيع !..

ورغم تذمري الدائم من  اعوجاج الطرقات , أو انعدام الرصيف , أو كثرة المطبات والحفر

ومن  الروائح المنبعثة من المجارير أو القمامة , والأصوات والضجيج , والمشاهد والفوضى  ..

والأطفال التي تسير بلا ملابس تقريبا وتلعب بالطين والحجارة ..

إلا أني أعلم أن  تذمري هذا ليس إلا ” فشة خلق ” أستطيع البوح بها عاليا

وتبقى من الشكاوي التي استهلكت  الصحف , والبلديات , وبعض المنابر الخافتة ..

و أعلم ..  أن كل هذا يبقى ” شارع ” ويبقى , نوعا ما ,في قشور الحدث العشوائي الذي يعتري كل ما حولي ..

ويبقى ما هو داخل الجدران أشد ألما مما هو خارجه ..

فلو أنك لا تعلم ” صدفة ” أحدا من تلك البقعة لظننت كل شيء يقال مبالغة وافتراء

 ولكنت بقيت فرحا بمعدلات الفقر التي تنخفض وبنسبة التعليم التي ترتفع !!

هنا الحياة بتفاصيلها ..  تبقى محصورة في هذه البقعة المسوّرة التي لا يسمعها احد !

 

-2-

((نساء بلا رجال ))

 

هنا في حارتنا ..

مهما علمت عن الفقر تفاجئ أنك لا تعلم شيئا , ومهما علمت عن الجهل تفاجئ أنك لا تعلم أيضا !

 اغلب النساء هنا مكممات .. من الخارج بثياب سوداء لا تنفذ منها إلا العيون ,

 ومن الداخل بقيود الخوف والعادة والحرام والضلع القاصر !

وعلى الرغم من هذا .. يبرع الرجال بفتح ثقوب للكمامات حين يشاؤون

ورغم التخلف الجم هنا الرجال مثقفون بسياسة الازدواجية

حيث أن أغلب نساء حارتنا عاملات !

يسمح لهن الدخول والخروج ومحادثة الرجال أثناء العمل فقط

عاملات بلا شهادة , ومتزوجات برجال الصوت العالي واليد الطويلة والعطالة !

 

هناك أم رأفت تجوب المدن والبنايات العالية ” لتنظيف الدرج ” وإعالة زوجها المريض بتشمع الكبد !

ولا تأخذ أجرتها إلا بعد ما يشبه الشحادة من حرص أهالي البنايات السكنية ..

 

هناك أم هاني شابة جميلة لديها أربعة أطفال , متزوجة برجل لا يشبه فارس أحلامها كما كانت تخبرني

كلما كانت تأتي لتساعدني في ” التنظيف والتعزيل “

دوما تنظر في يديها بين التشققات التي خلفتها مساحيق التنظيف وتخبرني وكأنها تقرأ الكف ..

ليس فارس أحلامي وتستدرك نفسها ولكن الأحلام ليست من حقي !

كنت أتنهد .. وأنا اعلم أن الوضع لا فرار منه ..

 

أما دلال فكانت مشكلتها أنها لا تعمل !

وزوجها يابى أن يعيلها بعد أن رفضت مشاركته السرير لأسباب لا احد يعلمها ..

 ولا مكان آخر تذهب إليه ولا منزل تقصده بعد أن رفضها إخوتها  بتهمة الفجور

ومنعت أخواتها من إيوائها حرصا على ” سمعة رجال العيلة ” .

عائدة من عملي كعادتي

تطل جارتنا صفاء مثقلة بأكياس سوداء كبيرة وتقترب بصوتها العالي

–         السلام عليكم

–         أهلا صفاء كيف حالك ؟

–         حالي على حاله ( وتضحك ) وتتابع

–         “وصلتني بضاعة جديدة , مابدك تشوفيها ؟”

–         ” حضري القهوة , وبلحقك “

كانت صفاء شابة خفيفة الظل تبيع الثياب المهرّبة لتعيل أطفالها ,

صفاء لديها رجل , لكنه لا يملك من الرجولة إلا حروفها البالية

تزوج بأخرى وأنجب الأطفال

وحتى حين تذهب صفاء  لدار ” حفظ النعمة ” للاحسان ويعطونها بعض الثياب لاطفالها وبعض الاطعمة

يتسلل ليلا كاللص ويأخذ الصدقات لزوجته الأخرى

لتستيقظ صفاء ولا تجد شيئا في الخزائن او البراد

ودوما ينتهي سؤالها وسخطها بعلام اصابعه وحبّات مسبحته على وجهها ..

وباستغفاراته التي يعلو صداها في حارتنا ..

 

كانت صفاء تسوق للملابس بدعاية باهرة

 ” هذا الثوب من بيروت وهذا من  تركيا  “

وتخرج الثياب وتعيد طيها عشرات المرات في اليوم وتسير من منزل لآخر مع أصغر أطفالها الخمسة

اخترت قميصا ما من صفاء

–         كم سعره صفاء ؟

–         ” بحسبلك ياه بـ 325 والله بالجملة بـ 300″

كنت أضحك وأبكي معا على طيبة صفاء وبساطتها

أخبرتني والفرح يخرج من حنجرتها

– ” أجا عريس لأختي نجوى “

– عريس ؟

– ” أي هي بدها وأهلي ما عندهم مانع , بعدين الله يسلّك دربها ودرب أخواتها ,

أبي كبير ياليلى بتعرفي وما عد حملهم “

– الله يوفقها ..

قلتها بغصة فقد كنت أعلم أن نجوى تبلغ السابعة عشرة من عمرها  أكملت تعليمها الابتدائي فقط كأغلب الفتيات هنا

والعريس في حدود الثلاثين  ..

   خرجت صفاء .. وترك صوت إغلاق الباب دويّا في أذني 

جعلني أغمض عيني وأتذكر عرس البارحة والعروس ” ريم ” طفلة الثلاثة عشرة عاما التي نزعت منها أمها دميتها وزوجتها ..!

وشعرت بالارهاق من واقع دائري لا يتوقف عن التكرار ..

ومن عجز يقيده العجز ..

 

 

 

-3-

( ( نسبية ))

لم أقدر يوما أن أفسر  انتمائي إلى حيث لا انتمي !

 

رغم نكراني لحارتنا

فأنا أحبها , أحب أناسها الذين لا أحبهم !

أحب طرقاتها وشوارعها وجدرانها التي أتذمر منها ..

 

تطل صفاء كعادتها بأكياسها السوداء لمنزلي

أشعر بغصة في حلقها ..

             ما بك ؟

– “نجوى .. حردانة “

نجوى لم تزل في شهر عسلها كما يقال !

لم أعطي الموضوع الكثير من الأهمية .. فنساء حارتنا ” تترك منازلها اكثر ما تبقى بها “

اعتقدت انه امر طبيعي ..

–         لا بأس .. بكرا تتحسن الأمور

–         القصة كبيرة ..

–         شو صار ؟

وروت لي صفاء القصة ,..

قصة كتلك التي لا نستطيع مهما حاولنا تصديقها ..

زوج نجوى متزوج من اخرى  !

زوج نجوى يمارس معها ممارسات جسدية لا أخلاقية .

زوج نجوى  مهد الطريق لـ ” معلمه ” المسؤول الكبير  كي يغتصبها

زوج نجوى جعلها تعتاد  ” الحشيش ” و ” الخمر “

زوج نجوى يدرس شريعة في الجامعة !

 

وبقيت أيامــا بعد قصة نجوى .. طفلة السابعة عشر ..

أفكر كم عمرا عاشت نجوى في شهر واحد ..

وتعلمت كم هو نسبي مفهوم الزمن .. لكنه دوما في حارتنا يميل في نسبيته لأن يكون أطول وأضيق !

 

 

-4-

(( خارج النسيان ))

 

ليس صحيحا ان بعض القصص خير لها أن تبقى مدفونة بالنسيان  كي يحمي كبرياءها من الفضيحة !

حين يراق الكبرياء دفاعا عن الكبرياء ..

وحين يتحيط بنا الفضيحة خوفا من الفضيحة

حينها .. تبا للكبرياء .. وتبا للفضيحة .. وتبا للنسيان !

 

جميع نسائنا  يابون البوح دفاعا عن مظاهر بالية.. وان واتتهم لحظة شجاعة للبوح .. لا أحد ينتظر كلماتهم 

أم رأفت لازلت تعمل من اجل زوجها المريض وأصبحت تأخذ ابنتها الصغيرة معها كي تساعدها في التنظيف ..

أم هاني وجدت عشيقا يحقق طموح” فارس الأحلام ”  ولازالت تعمل  ولكن نقودها الآن تقسم على اثنين

ريم .. طفلة في الرابعة عشر من عمرها حامل بطفلها الأول

توفيت دلال .. من الجوع  ! دون أن توجه جريمة لزوجها ..

صفاء .. حامل الآن بطفلها السادس ..

نجوى  .. جاء زوجها وترك قرب باب منزل اهلها صناديق من الفاكهة والخضار وصحنين بيض وخبز  ..

فارتأى أهلها ” أن البنت لا تملك إلا  بيت زوجها “

ما أمر الشوق للخبز .. ما أمر الشوق للحلم .. وما أمر العجز !

 

في حارتنا ..

للقصص مقومات أخرى

القصص لا تنتهي..

وتبقى .. تدور وتدور وتدور ..

ولا يوقفها احد … إلا النسيان ..

 

 

وهم اسمه نضال

 

 

 

 

هو يمر في الساعة الخامسة قرب شجرة الليمون , يجلس على المقعد الخشبي في ظلها .

وانا في الساعة الخامسة أشتاق لشجر الليمون , يتعبني اشتياقي فأحط رحالي على ذات المقعد الخشبي .

نحن نمتلك هذا الموعد القدسي دون اتفاق مسبق , ودون وعود باللقاء غدا ..

نفتعلها وعودنا وكأنها صدفة موقوتة بدقة , مدبرة بلهفات العيون ..

حين ينتهي لقاؤنا .. أسير وعبق الليمون في أنفاسي .. لا أذكر كيف قضيت وقتي معه ..

فذاك المقعد أشبه بفقاعة تفصلني عن عالم البشر ..

تفصلني عن الأمراض والحروب , تفصلني عن أحزاني .. عمن فقدت وعمن سأفقد!

تفصلني عن أي يأس قد تولده الحياة يوما , تقصلني عن كل خيباتي ..

فحين أخرج من تلك الفقاعة وأعود بشرية ,

لا أجد من بقايا ذاكرتي إلا ابتسامة على شفتهي تخبرني أني في تلك الفقاعة اختبرت سعادة ملائكية

أحيانا .. أخرج من فقاعتي بأوراق ملونة .. بكلمات كثيرة كلها تخبرني برسالة واحدة انه يحبني حد اللاعودة !

وأحيانا .. أخرج بحفنة من ياسمين ينثرها من حولي كلما رآني ..

أذكر أنه أخبرني أخر مرة رأيته :         

_ شمس ! أريد أن أهديك وشاحا في ذكرانا الأولى , لكني لا أملك إلا شجرة ياسمين !

ضحكت بشقاوة ونظرت في عينيه ..

_ نضال ! إذن اغزل لي وشاحا من ياسمين ..

 في المساء قرب نافذتي ..لطالما راقبت الياسمين ورسائله ..

ابتلع كلماتها , أنحني مع ميلان حروفها , أستنشق علامات ترقيمها ..

وفي كل مرة تمنحني سعادة أكبر , وأملا أوسع ..

 

منذ أشهر لم يأتِ  !

سكنت ذاك المقعد في كل زواياه .. ونظرت طويلا في مكانه .. ولم أره !

بحثت عنه , تحت ظلال كل أشجار الليمون التي أعرفها .. ولا أعرفها

وكيف .. كيف لم أعد أستطع ان أجد نبتته بين نبتات ياسمين بلادي ؟!

أرسلت برقيات استغاثة إلى عنوانه الذي لا أعرفه !

كيف ؟ كيف أصبح الآن أهمية لعنوانه , لاسمه , لتاريخ ميلاده …؟

كم هو مرعب أن يختفي  إنسان من حياتك , ويضحي سرابا .. ولا تعلم كيف ولا إلى أين ..

كم هو مرعب أن أجوب الطرقات ليالٍ طويلة علي أجده وأنا أتأمل الوجوه .. فتمتزج الملامح في عيوني . ويختلط البشر ويصبحون سواء ..

ولا أجد نضال .. ومهما بحثت لا أجد الوشاح الذي أهداني  ..

 

فأهرع إلى رسائله .. أفتح الأوراق فأجدها فارغة من الكلمات !

كم هو مرعب أن ترحل الكلمات برحيل أصحابها …

كم هو مرعب أن أصل لنتيجة واحدة .. أنه لم يكن موجودا منذ البداية .. وأني أنا من خلقته  في أفكاري

لأعيش وهما  اسمه نضال  ..