198646_352398251517472_155529047_n

أنتظرك هنا على المفرق ..

في انتظارك أتأمل كل التفاصيل, عدد حجارة الرصيف, الواجهات الزجاجية للمحال,

المارة, أشيح نظري عن عيونهم خجلا .. علّ انشغالي بها  تلك التفاصيل يجعل وقت انتظارك أقصر

.رجل عجوز يستند على عكازه, برققته شاب

العجوز يصر على أن يسير وحده تماما, وقفته غير متزنة جسده بكامله يميل للخلف يثبته بالعكاز قبل أن يهوي

 كل خطوة من خطواته لا تتجاوز  بضعة سنتمترات, لازال الشاب يصر على مجاورته

حين وصلت لانتظارك , لم بكن في الشارع.. أصبح في أوله .. هو الآن بقربي.. تجاوزني وابتعد!.

كل هذا الوقت انتظرتك ! كل هذه الخطوات العجوزة !

بمثل اصراره وبمثل خوف الشاب عليه .. أنتظرك

وبعد لحظات يرن هاتفي رنته الناعمة.. رسالة منك.. باعتذار شديد ومتأخر عن الموعد

عدم رؤيتك يسبب خيبة في داخلي, خيبة الانتظار الذي لايسقى

وفرح آخر للقاء آخر سيحدث وسأعيد فيه متعة انتظارك !

متعة أن أجهز نفسي للقائك, أن أجهز ثيابي, كحلتي, أحمر شفاهي, متعة أن تسيطر علي لهفتي وتسبقني إليك..

هذه اللهفة التي تشعرني أني على قيد الأمل..

………

أسير في الشوارع, كيف لكل التفاصيل التي لم أرها سابقا أن تقودني إليك؟

كيف تقربني كل الخطوات في دمشق منك؟
كيف تكون الأرض الحجرية في باب توما قطعة من ساعدك..؟
ومقاهي ساروجة تتكئ عشوائيا على خدودك؟
كيف تكون بسطات شارع الثورة نقشة في قميصك؟
والازدحام والوحشة في الشوارع كمجيئك وغيابك؟
كيف يوصل مطر دمشق الى عيونك؟
وكيف تصبح شفاهك ككل اوراق الشجر تلتقط منها حمامات دمشق الندى؟
وكيف يكون ضجيج دمشق كصوت نبضك؟
ولم رحيلك انت بوجع الغربة عن دمشق.
لم بكاؤك كحزن كل الوطن؟.
بارد موحش ويختنق..؟

….

لا أدي كيف أوصلتني خطواتي إلى طاولة في مقهى دمشقي ..

كان هناك بضع أصدقاء, وشباب ورجال لا أعرفهم ..

جلست على الطاولة , رائحة الدخان تملأ كل شيء, وضبابه يعبر العيون..

دخانك على الطاولة! تذكرتك!.. طغت رائحتك على كل شيء ونبت التبغ مجنونا على جسدي..

–          كيف حالك؟ لم نتعرف بعد..

قاطع الصوت إقامتي في العالم الذي أخاطبك به باستمرار

–          بخير, أنا ندى

دردشت قليلا مع الأصدقاء تعرفت إلى الموجودين بأسمائهم.. ودخلت صمت الإصغاء

ودخل النقاش احتدامه.. صوت معتق يبرز:

–          اليسار في سورية يعمل على تعزبز عمله, كل ما يحدث اليوم هو ثورة لرغيف الخبز.. رغيف الخبز جزء لا يتجزأ من الكرامة, من الحرية..

صوت خافت يجيب:

–          ما يحدث اليوم هو ثورة حرية وفقط يا أستاذي…ثورة حتى بسلاحها كان غاندي ليقدسها..

يقاطعه صوت أجش

–          هذا النظام الفاشي جعلها ثورة بنزين ومازوت وكهرباء أيضا ويضحك

صوت متزن يتكلم بهدوء:

–          نحن نسعى للحشد, حشد كل الشباب..

يضرب أحد الموجودين بضربة قوية على الطاولة ويصيح متكبرا:

–          ألا زلتم تسمونها ثورة ؟ انها الاجرام بكل ما تجسد من قوى .. يبدو أن لا نقاط أساسية لنتشارك في الحديث

ويقف بحركة واحدة دون أن ينظر لأحد..

يعود الصوت الأجش

–          ثورة رغم أنف نظامك ..

علت الأصوات, محاولات تهدئة من هنا, محاولات سخرية من هناك.. محاولات تدعو لخفض الصوت..

شعرت أني على طاولة حوار تلك التي ما توقفوا عن الحديث عنها وعن السعي لإقامتها وعن متطلباتها ومؤتمراتها

فجأة قطعت الكهرباء في المقهى ..

بدأ إشعال الشموع على كل الطاولات..

هل أخبرتك أن الشموع تذكرني بك؟, يوم أحببتك وأهديتني شمعة حمراء.. بقيت لدي أعوام دون أن أجرؤ على إشعالها .. وفي ليلة تحديت أنت فيها جنوني.. وحاولت مرارا تعليمي أن أستمتع بلحظتي’ أشعلت الشمعة ..

وحين أصبحت انا قادرة على إشعال شمعة, أصبحت أنت أكثر قدرة على تأجيل مواعيدنا!

حل صمت على الطاولة.. كسره الصوت نفسه الذي قاطع خلوتي بك في المرة الأولى وسألني

–          وأنتِ يا شابة؟ لم تشاركينا الحديث, ما رأيك؟

سرحت  بذاك اليساري الذي لازال يستخدم المصطلحات البرجوازية ويبني النظريات ويحدثني باللغة العربية الفصحى, ذاك العالق بين صفحات كتب كارل ماركس, وفكرت بذاك الذي يصف الكلمات المنمقة بين غاندي والسلاح , والآخر الذي مر عامان ولم يعرف بعد كيف يجمع الحشد. وبالاثنين  المتطرفين بأصواتهم العالية ثورة اجرام ونظام فاشي..

ربما لا أحد من هؤلاء سيء.. لكنهم بعيدون جدا عن الواقع وحتى عن الحلم!

سرحت طويلا طويلا , بصديقي المعتقل منذ عام ..بابتسامته.. بأصدقائه المبتسمين جميعا خلف القضبان

بكل كلمة نبيلة كتبها, بكل خطوة طاهرة للحرية مشيها.. بأنه هو في المعتقل وكل المجرمين خارجه!!

وخطر ببالي فجأة رسامي الكاريكتير الشباب, حيطان سراقب, مظاهرات في حلب

حملات توعية يقودها شباب, حملات إغاثة لا ينام شبابها.. مقالات وابداعات بطهارة التراب في بلادي

خطر ببالي سوق الحمدية, والكف التي احتضنتها هناك خوفا ..وشددتها حتى آلمتها

خطر ببالي ” الشعب السوري ما بينذل”

خطرت ببالي الحناجر كلها..

لم ليست هذه العناوين التي تتصدر أخبارنا؟

لم لسنا قادة المعركة.؟

سرحت طويلا طويلا.. بكل شهيد ..بكل ثكلى, بكل يتيم ..

غبت في كل طفل عاري القدمين في شوارع بلدي, في كل طفولة مشوهة  محرومة حتى ألعابها ( جيش وجيش حر)

غبت في الفقر, في الذل , في المجازر, في الطائفية, في الدمع ..  في الحجر في البشر في الذكريات ..

عبرت في رأسي في كل عين رأيتها لطفل, لشهيد, لام, لنازح, لمهجر .. آه.. ما أقسى العيون الحزينة!

خطر ببالي كل شباب بلادي بآرائهم المختلفة .. بحبهم لسورية

وتذكرتك..

وعاد ليسألني

–          يا شابة !  لم تجيبي ماذا فعلت في هذين العامين.لهذا البلد؟

فكرت .. هل سيفهم إن أخبرته؟

لازال ينتظر الجواب.. جاء جوابي هادئا

–          لقد أحببت في هذا البلد.. قصة حب أسطورية ..

صمتوا جميعا ..

أراقب نظراتهم لي كمراهقة لا تفهم في السياسة .. ولا تفهم كيف تدير شؤون البلد..

أمتعتني النظرة كثيرا

عادت الكهرباء .. تسارعوا لإطفاء الشمعة .. اعتذرت وهممت بالرحيل..

أتعلم؟ كان أروع ما قمت به أني أحببت في هذا البلد..

لقد ناضلت لأنشر حبا في هذا البلد, لأكتب قصيدة في زحمة مقالات السياسة والتحليلات, لأعانقك على صدى الرصاص, لأثبت أن الحب أقوى من الاختلاف, أن الحب لن يموت في دمشق ..

جئت أو اعتذرت.. أحببتك في سبيل الوطن..

Advertisements