صورة

كم مرة شعرت بتلك اللهفة إلى شخص ما, أو إلى أي من تفاصيله وتحركاته , تلك اللهفة المجنونة  التي تجعلك تلقي خلفها كل احتمالات التفكير وكل التفضيلات الأخرى , ولا تبالي بالنتائج  في سبيل إرضائها ؟

كم مرة شعرت بأن شخصا ما قادر على احتلال كفة الميزان الغالبة دوما , فلو وضع العالم بكل تفاصيله وضحكاته وفرصه ونشواته في إحدى كفتي ميزان  ووضع  ذاك الشخص في الأخرى لكانت كفته هي الراجحة, ولكنت سعيدا أكثر من لو أنك قد امتلكت الضحكات والنشوات كلها , سعيدا بكل تفاصيل هذه الكلمة ؟

كم مرة غزت وجهك عنوة تلك الابتسامة حين تفكر بشخص ما , ومهما حاولت ابقاءها في معتقل الروح كانت تأبى إلا التحرر إلى سطح وجهك ؟ , ليفهم البعض أنك واقع لا محالة في الحب وليظنك قليلو التجربة أحمقا يبتسم للاشيء

كم مرة أسرتك التفاصيل الصغيرة , تلك التي تصبح كشيفرات سرية لا يفهمها إلا أصحابها , كم مرة استطاعت أن ترسم لك عالما ساحرا بالغموض الذي فيه , الغموض الذي يراه الناس حين لايفهمونها ؟

فالصندوق الخزفي الصغير , هو تلك الهدية التي أرسلتها أنت عبر البريد قاطعة آلاف الكيلو مترات إلى حضن من تحب ليتذكرك كلّما فتحه وليضع فيه ربما ابتسامة , لكن هذا الصندوق الصغير بالنسبة للآخرين, كل الآخرين, هو مجرد صندوق خزفي صغير

وكلمة ” دائما ” هي مجرد كلمة من أربع حروف تعني الاستمرارية بالنسبة للآخرين الذين لا يملكون تفاصيل العالم الخاص ذاك الذي كانت فيه هذه الكلمة مفتاح أمان يردده نضال باستمرار , يقتل فيه المسافات فيردد لي “ندى , سأحبك دائما “

ليقتل بها كل حماقاتي الطفولية وغيرتي اللامنطقية وخوفي , خوفي المتزايد من إحصاء كل المسافات التي بيننا وكل ما تحتويه من تفاصيل . من جبال وأشجار وبيوت وحجارة وحصى وعصافير , وقصص وحكايا وساعات وأرقام ..

حين كانت تصل الرسالة من نضال  , أو يظهر رقمه في هاتفي كانت تلك اللهفة التواقة تعتريني لأكون على استعداد لإضرام الحرائق في  العالم من خلفي في سبيل قطرة الماء التي ستصل من تلك المكالمة الهاتفية.. وابتسم حين ينتهي حديثنا دون اكتفاء ساكنة في عالم التفاصيل الصغيرة التي لا يفهم  شيفراتها السرية إلا أنا ونضال , تلك  التفاصيل التي تشكل عرزالي  الآمن على شجرة تمسكت جذورها بالأرض ..

وكان نضال هو الأرض , هو كل الوطن الذي أهاجر منه إليه .. وأنفى من كل الأوطان لأحط رغم المسافات بين ذراعيه ..

كم مرة استطعت أن تبني عرزالا آمنا في أرض وطنك ؟

قد لا تستطيع فعل ذلك يوما .

قد لا تستطيع مهما حاولت امتلاك اللهفة تجاه شخص ما  , وقد لا يقدر أحد أن يستحوذ يوما كفة ميزانك الراجحة , قد لا تغزوك سطح وجهك  يوما ابتسامة , وقد لاتملك وطنا ولا أرضا ولا عرزالا للتفاصيل الخفية  , وقد لا تكون لديك أية رغبة في إحراق العالم , من أجل قطرة ماء ..

قد لا تمر يوما بذاك الذي يدعى ” حب ” , أو ربما هو لن يمر بك , لأنه يأتي دون سبب فنحن نحب شخصا ما دون أن ندري كيف أو متى أو لماذا , نحبه دون تعليل أو سبب , نحبه لأننا نحبه , فوجوده وغاية وجوده هما الأمران ذاتهما ..

لذلك , إن مرّ يوما وقرع أبوابك عليك أن تفتح الباب , و تجعل زيارته طويلة قدر الإمكان , و إن صالحتك الأمكنة و الأزمان , والعقد البشرية , ربما تقنعه بالبقاء لتتشاركا الأرض و تزرعا شجرة من أجل العرزال !

……

يتبع..

الصورة من الانترنت بعدسة إيهاب سلطان, عرزال في نهر زغرين

Advertisements