في ظل الأزمة التي تعيشها سورية, لم يعد خفيا كم من العائلات والأفراد اضطروا للانتقال من بيوتهم وأحيائهم, وكم منهم فقدوا عملهم وانتقلوا إلى مناطق أخرى قد يفتقدون فيها لأبسط احتياجاتهم الأساسية, إضافة إلى من هم مضطرون للاستمرار بالعيش في مناطق خطرة على حياتهم وباتت تفتقد للمواد الأساسية التي يحتاجونها ليستمروا قيد الحياة، وهم بحاجة ماسة لمد يد العون والمساعدة في جوانب الحياة المتنوعة.

وبعد أن قطعت أزمة هؤلاء عامها الأول والتي هي الآن ممتدة لأجل غير معروف بعد, صارمن الضروري النظر للأمر خارج إطار “الظروف الطارئة”، والتعامل مع العمل الإغاثي على أنه ضرورة دائمة بحاجة للتنظيم والرؤية بعيدة المدى.
لم يعد كافيا في الإغاثة للمتضررين والمنتقلين من منازلهم في هذه الظروف ووفق هذه الرؤية تقديم المساعدات الطارئة من مسكن وغذاء فحسب, بل يجب الأخذ بعين الاعتبار أيضا المشكلات الاجتماعية والنفسية المترتبة على هذه الأزمة وطريقة حلها.

ومثالها : مشكلة تعليم الأطفال المنقطعين عن دراستهم بسبب هذه الظروف, ومشاكل البطالة والسعي لإيجاد فرص عمل جديدة, ومعالجة المشكلات النفسية التي يعاني منها الكثير من الأطفال جراء العنف المنتشر حولهم, وغيرها من تفاصيل الحياة البسيطة والمعقدة.

ونظرا لكون الجمعيات لديها معرفة أكبر بالمجتمع المحلي وبالتالي فهي تملك القدرة الأكبر على العمل في الجانب الإغاثي والإنساني, اقترح “منتدى المنظمات غير الحكومية” اجتماعا لعدد من الجمعيات السورية العاملة في الميدان، حضرته جمعية آفاق الروح للنساء المعوقات في دمشق وجمعية إغاثة المحتاجين والصحة الخيرية في دوما في ريف دمشق وجمعية الرحمة في الهامة وجمعيتي البر وخالد بن الوليد في حمص.

كان الاجتماع بهدف التشبيك بين الجمعيات لتبادل الخبرات والتجارب، ولتوحيد المعلومات المتعلقة بالفئات المستهدفة بالإغاثة، وذلك عبر انشاء استمارة موحدة تعتمد عليها جميع الجمعيات، وتساهم في بناء قاعدة بيانات مشتركة ،يمكن للجميع الوصول إليها، وخاضعة للتحديث المستمر. هذه الاستمارة ستضمن عدم تكرار استفادة شخص ما من الخدمة نفسها مرتين، وتثبيتا لتكامل الخدمات المقدمة قدر الإمكان، وستساعد في رصد الاحتياجات الحقيقية وإمكانية إنشاء وتطبيق حملات للإغاثة والمساعدة تلبي الاحتياجات المرصودة.

وتبادل المجتمعون نماذج استمارات متعددة، بهدف دراستها ونقاش الاقتراحات والأفكار الجديدة في اجتماع لاحق، ومن ثم تبني النسخة النهائية من الاستمارة.

كذلك تخلل الاجتماع تقديم بعض الجمعيات لآليات عملها، والنجاحات التي استطاعت تحقيقها ضمن ظروف معقدة ومتداخلة. وأيضا للصعوبات الكثيرة التي تعترض هذا العمل.

وأشير في الاجتماع أيضا إلى أهمية التفكير باحتياجات تتجاوز مفهوم “الإغاثة”، كالتعليم مثلا (حيث توقف التعليم في العديد من المناطق، ويعاني الأطفال الذين هجرت عائلاتهم من مشاكل مختلفة سواء من حيث تأمين انتقالهم إلى مدارس جديدة، أو اندماج الأطفال مع البيئات الجديدة الطارئة التي يعيشون فيها)، وضرورة أن يتم التخطيط باستراتيجيات جديدة للتعامل مع هذه القضايا.

إن العمل الإغاثي بات ضرورة قصوى في المرحلة الحرجة التي تعيش فيها سورية, إلا أن هذه الضرورة تفرض أيضا الارتقاء بأدوات وآليات العمل في هذا المجال. فإضافة إلى ما يتخلل هذا العمل من صعوبات واحتياجات مادية وبشرية وثقافية, فهو أيضا جديد على الجمعيات السورية، وبالتالي فهي تحتاج إلى المزيد من الوعي والتنظيم لكي يتمكن من القيام بالدور المنتظر منه، سواء من حيث تلبية الإغاثة لاحتياج حقيقي، أو تنفيذ ذلك بآليات صحيحة، أو ضمان أمن الأشخاص الذين يقومون به ويتعرضون لأخطار كثيرة أدت إلى سقوط بعضهم ضحايا أثناء قيامه بمهامه الإنسانية.

كذلك من الضروري أن يتفهم الجميع في سورية أنه من حق المدنيين المتضررين الحصول على المساعدات الإغاثية التي يحتاجونها بغض النظر عن اتجاهاتهم السياسية، وحتى في الأماكن الخطرة التي قد يتوجدون فيها.
ومثلما للعاملين والعاملات في مجال الإغاثة حق على الجميع بضمان أمنهم ولتفهم دورهم الانساني وتحييده عن أي نزاعات وغايات واتجاهات وتصنيفات, أيضا يترتب عليهم واجب صريح بعدم تسخير عملهم لأي هدف أو غاية تخرج عن الإغاثة نفسها.

المقالة منشورة ومأخوذة عن موقع مشروع الرياض الدامجة:
http://syrianintegration.org/integration/2011-12-11-12-05-47/74-integration.html

Advertisements