يوم الاثنين الماضي , 19\3\2012, كان اليوم المخطط له للانطلاق بحملة “حمص في قلوبنا “

كان من أساسيات هذه الحملة  تفعيل دور الشباب بطريقة مدنية وسلمية وعلنية , من خلال جمع الشباب السوري بكل أطيافه وفئاته وانتماءاته على السعي لاحتضان الوطن وتجاوز كل الخلافات و الاختلافات أيا كانت

 وذلك من خلال العمل على الانطلاق من دمشق الى حمص  لتقديم المعونات والمساعدات لأهلنا في حمص .

المساعدات التي أرادتها هذه الحملة تميزت بأنها من أيدي سورية لأيدي سورية أخرى تعانقها , لتعطيها دون منة أو خدش كبرياء أو مزاودات

قمت بالتواصل مع منظمي الحملة وكنت أتوق لأي مبادرة من هذا النوع . وخاصة أنّ المبادرة لم تحمل أي طابع سياسي معيّن ولم تصنف تحت أي بند سوى الانسانية ..

وحين قررت الذهاب وأعلنت ذلك , راسلتني فتاة سورية لم أعرفها إلا من أيام قليلة فقط و أعطتني مبلغا مالي لشراء المساعدات العينية كالمواد الغذائية وغيرها ,

لهفة تلك الفتاة وتكرارها للطلب باستمرار وثقتها بي و بتلك الحملة أشعرني بدفء سوري وكيف أن كل سوري يرغب باحتضان الآلام التي تجرح الوطن  كان شعور لا يمكن وصفه

لم أكن أعلم كيف ستسير هذه الزيارة لحمص , ولم يكن أحد ليعلم , لكني أردت التواصل مع أهالي حمص ليس فقط من خلال منح المساعدات , بل من خلال كلمة ما , موقف ما أو شعور ما ..

أردت الوصول  كما أنا , متجردة من كل انتماءاتي  الا الانسانية منها , ليرى كل مجرم أنه مهما أغلق من منافذ ومهما مارس من قتل لا يستطيع إغلاق الانسانية ..

حين علم أصدقائي أني سأذهب عارض معظمهم خوفا علي , وحين يأسوا من تحدي عنادي كان أغلبهم يخبرني ” سلميلنا على حمص ” أو ” خبري الحمصيين انو منحبهم وأنو نحنا معهم ” .. وغيرها من رسائل المحبة والرغبة لو أن الجرح والعنف والقتل ينتهي بهذه الرسائل .

قبل الذهاب بيوم , شعرت أني أودع كل أحد وكل شيء , وداع صامت فالغالبية لم تعرف بذهابي , كنت أضع احتمال ولو كان صغير أني قد لا أعود , لم أكن حزينة أو خائفة , بل كنت متلهفة بشدة للذهاب

وصلت في الصباح كان الشباب المنظمين للحملة  قد أعدوا ورتبوا كل شيء المساعدات في الشاحنات , والباصات التي ستنقلنا جاهزة للتحرك , صعدنا إلى الباص , فتشنا المنظمون أيضا

تأخرنا في التحرك , شاهدت سيارة سوداء , عرفت أنها سيارة أمن فيما بعد , وأنهم يطلبون ورقة موافقة او اذن لتحركنا

ذهب  بعض الشباب المنظمين للحملة إلى المحافظة ثم إلى الهلال الأحمر للحصول على تلك الموافقة  , ورافقهم الفنان نضال سيجري , هو أيضا ترك انتماءاته كلها ومضى مثلنا لا تميزه عنا الا ابتسامته المريحة كلما وقعت عينه على أحدنا

مرت الساعة تلو الأخرى ونحن ننتظر أن تأتي الورقة لننطلق وكلما تأخر الوقت أكثر , زاد قلقنا اكثر ,وكنا على استعداد ايا كان وقت وصول الموافقة ان نذهب .. في تلك الأثناء

 تلك الموافقة لم تأتِ , وبقينا واقفين ما يقارب ال 12 ساعة ننتظر ثم منعنا من الذهاب .

هل من قانون مكتوب يمنع بالغين تجاوزا الثامنة عشر من عمرهم من التنقل بين محافظتين داخل بلدهم؟

قبلوا  أخيرا على وضع المساعدات أمانة في الهلال الاحمر وايصالها لحمص , وذهاب البعض منا إلى حمص لتوزيع المساعدات ..

اثنا عشر ساعة قضيناها في الانتظار , تعرفت فيها على شباب و شابات رائعين , تعارفنا , أجرينا نقاشات عديدة كل منا له أفكاره وانتماءاته التي لا يسمح لها أن تطغى على انسانيته

كان بين البعض اختلاف شديد بالرأي لم يمنع من بقاء النقاش مستمرا , الجميع كانوا يريدون الوصول إلى حل , الجميع كانوا يحاولون فهم الآخر بكل اختلافاته

كان بيننا رجل يكبرنا قليلا بالعمر , قال لنا : بقيت صامتا أثناء نقاشكم واختلافاتكم بالرأي ظنا مني أن النقاش سينتهي سريعا بخلاف , لم أتوقع أن تصمدوا .. واستمر الحديث بمشاركته

اتهم البعض الحملة بأنها لا تحمل رسالة انسانية بل هي تريد تحديد موقف وتحدي سياسي

اتهمها آخرون أنها اثبات للنفس على حساب باقي المواطنين  , واتهمها اخرون بالفشل .. وغيرها من الاتهامات ..س

هل من أي من مايدعيه القائلون من اتهامات تستدعي أن يعرض المرء حياته للخطر لأجلها ؟

التحدي السياسي , إثبات النفس ؟

وحدها القضية الحقة هي من نكون على استعداد لمبادلتها بحياتنا

 بين الاتهامات شجع كثر آخرون المبادرة قبل وأثناء وبعد حصولها ..

شجعوها بتقديم المعونات بكلمة بموقف بتواجد .. بقليل من الاحترام لشباب عملوا وأملوا بعمل مدني سلمي وبالتغيير

بالمجمل بقيت سيارات الأمن تبدل مناوباتها بحراستنا مستغربة اصرارنا وحماسنا , متعبة منا , أخذوا اسماءنا , طلبوا فواتير بالمساعدات الموجودة , وبقي شباب الحملة يحاولون الحصول على الموافقة , ذهب البعض من الأصدقاء  الى فرع الأمن وعادوا , تحاورنا , انتظرنا , أحبطنا قليلا

وبالنهاية لم نذهب إلى حمص , لم نبارح مكاننا من أوتستراد العدوي , لكني شعرت أننا حلقنا كثيرا

كانت مشاعري متضاربة سعادة بانجاز يقابلها تأنيب ضمير ” ظالم ” لهذه السعادة , حزن يقابله أمل , شعور بقيد تقابله حرية , وداع يقابله أمل بجديد اللقاء , خيبة أمل بأشخاص يقابلها أمل أكبر بآخرين ..

وحب كبير لسورية , وأمل أكبر بأن يتوقف الموت والقتل فيها وألا يحتاج أحد فيها لمساعدات من أحد آخر ..

لم أذهب إلى حمص لكني  ذهبت إلى عائلة جديدة , أشكر جهودهم من كل قلبي

ذهبت إلى أفكار مدنية وسلمية جديدة وإلى آمال  أكبر بي وبمن حولي وبمحاولات جديدة  …

Advertisements