مؤخرا دعيت للذهاب إلى لبنان لحضور حفل للسيدة فيروز , بداية ترددت كثيرا في الذهاب لأني  لم أكن أملك الرغبة لمغادرة دمشق او لحضور حفل , ولكن حبي لفيروز غلبني نهاية وقررت الذهاب ودعوت أيضا بعض الأصدقاء .

قبل الذهاب بأسبوع تقريبا , كان علي المرور على دائرة الهجرة والجوازات لأني متأخرة في تجديد إقامتي في سورية  وكان علي القيام بمعاملة لتأشيرة الخروج , ذهبت في حوالي الساعة الثامنة صباحا أنا وصديقي , وبدأت باجراءات المعاملة  وحولت لمحاكمة شكلية لأدفع غرامة التأخير البالغة 500 ل.س

ذهبت  من الهجرة والجوازات إلى المحكمة مع أشخاص مثلي متأخرين في تجديد إقامتهم بسيارة الشرطة ” البوكس” و شعرت بشعور المجرمين في هذه الدقائق , وبنظرات سائقي السيارات الينا .. كنت أضحك  من شدة السخرية

تمت المحكمة ودفعت الغرامة وعدت لدائرة الهجرة والجوازات , وكان أصعب شيء حتى هذا الوقت هو أن علي أن أدفع رشوة لتسهيل الأوراق وأنا لم أكن أعرف كيف أعطيها هل أقترب من الشخص أم أضعها له في المعاملة , الآن أم أنتظر , أنظر في عينيه ام جانبا , وبالنهاية وبعد أن أصبح الأمر مستحيلا قررت ألا أدفعها و لو أخذ مني ذلك مجهودا أكبر , فلن أسجل اول رشوة في تاريخي هنا , بالنهاية تمت المعاملة وبقي توقيع واحد هو توقيع اللواء,

كانت الساعة قرابة الحادية عشر ولم يأت اللواء أخبرونا أنه يأتي في الواحدة تقريبا , ذهبت مع صديقي وتناولنا الفطور في حديقة في ساحة المرجة , عدنا حين أتى اللواء , نادى نائبه على اسمي وأعطاني معاملتي,  دخلت و أخبرت اللواء بالقصة وبأني متأخرة سهوا عن تجديد الأوراق , فطلب خروجي من الغرفة وقال لي ” يلا عالترحيل “

خرجت من الغرفة وكلمت صديقي قال لي اشرحي له أنك سورية فعليا وولدت هنا وعشت ودرست هنا وكذلك نائب اللواء طلب مني ذلك , دخلت من جديد وشرحت له قصة حياتي , بدأ بالصراخ وبأني خالفت القانون وبأنه لن يوقع و قال لي ”  روحي عالحدود ساعتين ختمي الورقة ورجعي “

خرجت من الغرفة , فقابلني نائب اللواء وقال لي ” فوتي لعند اللواء ابكي نتوفة وترجيه بيرضى بيرضى “

أنا وبصوت عالي والغرفة مليئة بالناس أخبرته : ” أنا ما بترجى حدا ! والشغلة مو ذل “

وهنا قلت في نفسي ” آه كم أريد اسقاط النظام “

بدأ بتهدأتي , وبالفعل قررت الذهاب إلى الحدود وتسوية الأوراق والعودة , فبالنهاية أنا من خالفت القانون بالتأخر في تجديد الأوراق

و لكني لم أتوقع أن علي أن أتوقف ! , حولت مباشرة إلى شرطة الهجرة والجوازات  وهناك أخذوا بصمات أصابعي كاملة و بصمات عيوني وصورة شخصية .

كنت سأحول إلى سجن النساء في كفرسوسة , ولكن للصدفة كان هناك دورية ستخرج للحدود وقرروا ارسالنا معها لختم الآوراق والعودة

كانت الساعة قرابة الواحدة والنصف  وأنا دخلت بحالة نفسية ساخرة ومستهزأة لامثيل لها .

جلست في غرفة فيها موقوفات مثلي يبكين بشدة , وأنا أضحك بشدة

حاولت تهدأتهن و لا أدري كيف أدخلتهن في حالة الضحك التي تنتابني بعد عشر دقائق من الحديث معهن

كان معنا أشخاص ببدلات عسكرية لا أدري ما رتبتهم

كنت أجلس وأضع رجلا فوق الأخرى ” فأنا معتادة تلقائيا أن أجلس بهذه الطريقة ” اقترب مني أحد هؤلاء الأشخاص جلس على الكرسي قبالتي وقال لي ” نزلي رجلك وقعدي منيح ”  وكان هو جالسا على الكرسي في نفس وضعيتي

فأخبرته : ” هل يوجد قانون يمنع جلستي هذه ؟ ” قال لي ” لا , بس من باب الأدب ” قلت له :” اذا كانت جلستي فيها قلة أدب فهي مثل جلستك , عدّل وضعيتك لأعدل وضعيتي ” ضحك , وقال لي اجلسي كما تريدين المسألة أني لا أتحمل أن تجلس بنت بهذه الطريقة  , لم أجادله طويلا في الموضوع .

ثم دار بيننا حديث شرح لي فيه دراسته و عمله وسألني عن سبب توقيفي , وقدم لي فنجانا من القهوة , وبعد ان قضيت حوالي الساعتين في الغرفة قرر أنه سيجد لي عملا في مدرسة احدى اصدقاءه يعرف مديرها , وكلمه واعطاني عنوان المدرسة , كان لطيفا معنا جميعا رغم تباهيه بين المتاهات بامتلاكه للسلطة

شخص آخر كان يصرخ علي وعلى الموقوفات بلا سبب ” اجلسي ابتعدي قفي .. الخ”  بعقدة السلطة الموجودة في رأسه

لم استطع احتماله طويلا , فقلت له توقف عن الصراخ ! من تظننا ومن تظن نفسك ؟ نحن لسنا مجرمات نحن موقفات بسبب معاملة وورقة , وانت هنا لتسهيل وجودنا

صمت حينها بشكل غريب ..

حينها أيقنت تماما كيف تضم البدلات الموحدة تحت قماشها أشخاصا مختلفين , وحتى أولئك الذين نعتقد أننا ضدهم ونكرههم , يحملون قلوبا طيبة مغلفة بتأثير تربية وبيئات مختلفة وبضعا من سوء الادراك ..

وانا كنت في حالة من اللامبالاة الغريبة .. كنت أردد في نفسي ماذا قد يحصل أسوأ .؟ .. فليحصل اذن لا فارق

في حوالي الساعة السادسة مساءا ذهبت انا وعدد من الموقوفين والموقوفات في باص الدورية الى الحدود السورية , وبعد فترات من الانتظار  والتحقيق , حولنا الى الحدود اللبنانية , وهناك أيضا عدد من الاجراءات وبقينا في غرفة معا وهناك تعرفنا اكثر على بعضنا .

القصة المؤلمة هنا , كان معنا شاب ” معوّق”  ويحمل بطاقة معاق . لا أدري تماما ما نوع اعاقته ولكم من الواضح أنها ذهنية , يعيش مع والدته في دوما أوقفته الشرطة لأنه يحمل ” بخاخ ” وسجن وتعرض لضرب آثاره واضحة على جسده ومعصميه , والأشد سخرية أنّ الشاب أمّي لا يجيد القراءة أو الكتابة !!

أمّي ومعوّق أوقفته الشرطة لأنه يحمل بخاخ ورحل الى لبنان مع الإبعاد ..!

في الحدود اللبنانية كان قد أصابني الانهاك , كانت حوالي الساعة العشرة ليلا وانا افكر متى سأعود إلى البيت !

وبعد أن تم اجراء الأوراق وظننت أن وقت العودة قد حان , تفاجأت بخبر أنني ممنوعة من دخول سورية لمدة ثلاث سنوات !!

كان الخبر كالصاعقة , فأنا لم اعترض على قرار ترحيلي ” رغم اني أراه ظالما لأني اعتبر نفسي سورية ” ولكن رغم ذلك كنت انا من خالفت القانون , ولكن قرار منع العودة هو الظلم الجائر الذي لم أفهم سببه !!!

حينها ذهبت الى منزل إحدى أقاربنا وانا منهكة تماما ولا املك اي شيء سوى الكثير من الغضب .

قضيت في لبنان بضعة أيام كان أقاربنا يساعدوني للعودة الى سورية  مع انهم كانوا يطلبون بقائي , كان عملي هناك مؤمنا و أعامل كمواطنة من الدرجة الأولى , أحب لبنان شيء غريب يربطني به كرابط الدم ولكني أحب دمشق أكثر , ولم  أكن أفكر إلا في عد الدقائق التي تفصلني عن العودة وعن شوقي لكل شيء في دمشق حتى للأشياء التي لا أحبها , وكنت قلقة على سورية وكنت أفكر بسذاجة ماذا ستفعل من دوني في هذه الاوقات  ؟

وبعد عدد من طلبات الاسترحام والواسطات ” التي لست مخولة للحديث عنها كما اخبروني ” تمت عودتي الى دمشق بعد حوالي الاربعة أيام .

في بداية وصولي لدمشق , لم أفرح كما توقعت , بل على العكس تمنيت لو أني لم أعد .

شعرت بالغربة وبكثير من الألم الذي كان مجمدا منذ يوم توقيفي والذي كان يظهر بطريقة ضحكات ساخرة , وسألت نفسي لماذا أحب دمشق إن كانت لا تريدني . ؟ ولماذا أعود ولاشيء يثبت هويتي .؟ وكل الطرق في دمشق أصعب ..

ولماذا أشعر الآن بحقد غريب على كل الأماكن التي أحبها ؟

بقيت مايقارب الأسبوع في البيت , لم أتواصل مع أحد , وأخيرا اشتقت لشيء لا أدركه

وحين خرجت وتنشقت هواء دمشق , شعرت بحماقتي , وأيقنت أنّ ما شعرته هو غضب و حزن خلفته قسوة التجربة

وعرفت كيف أني لا أقدر إلا أن أحيا هنا , وبأني سمكة و دمشق هي مائي ..

مشيت بشراهة بين الحارات , و حاولت ابتلاع  ما استطعت من الأصوات والروائح  ومن الوجوه .

سورية وطني , الذي لا يربطني به أوراق ثبوتية بل  تربطني به صرخة الولادة و اللغة وتاريخي كاملا ..

أحبّ دمشق .. وأوقن تماما أنها تحبني , رغم أنها مثلي لا تحمل أوراقا تثبت ذلك !

Advertisements