مؤخرا شهدت أحد أكثر  الحوادث المقززة التي حصلت في حياتي , حيث كنت في اللاذقية وفي أحد الساحات , كان شاب وفتاة يجلسان معا على أحد الطاولات الموجودة على الرصيف , وإذا بالشاب يضع يده على فم الفتاة ويدخلها إلى السيارة ويضربها ضربا مبرحا على مرأى من الناس جميعا , تجمع الناس حول السيارة , ولم يتجرأ أحد على الاقتراب لمنعه , كان بعض المتواجدين قد غلبهم الشك أن الفتاة على وشك أن تفارق الحياة , اتصل أحد المتواجدين بالشرطة , و امرأة كبيرة في السن كانت تصرخ بصوت عالي ” وين النخوة , وين النخوة . ؟؟”

وبقي الشاب يضرب الفتاة والمتفرجين يتابعون مشاهدتهم إلى أن قدمت الشرطة وحينها لم أفهم ما حصل لكني شاهدت الشاب يرحل بسيارته ومعه الفتاة وكأن شيئا لم يحدث . 

أثار غضبي الثقافة  التي تكرس مبدأ تبعية المرأة للرجل , والتي جعلت البعض يقول ربما هي زوجته  أو خطيبته وهو حر بها( لكن ليس هذا حديثي هنا ) . , فأشد ما ضايقني هو الخوف الذي سكن الجميع ومنعهم من الاقتراب وجعل البعض يوقف من أراد الاقتراب خشية أن يكون ذاك الشاب ” مدعوما ” أو مسلح أو..

الخوف  شعور من الطبيعي  أن نعيشه في ظل ظروف معينة , ولكن عدم  الاعتراف بالخوف واعتباره أمرا مقبولا للعيش فيه هو الأمر الغير طبيعي ..

الخوف من الاعتراف بالخطأ  هو خوف من الخوف , وهو يجعل السلسلة  لا تنتهي , ويجعل مالك الحلقة الأولى فيها ليس مجرد إنسان خائف , بل يضعه في موقع المسؤولية  ليجعله مجرم او خائن  أحيانا ..

واليوم نحن في سوريا في اتجاهات مختلفة حسب آرائنا السياسية , وهذا أمر طبيعي  , فكل  منا له اتجاه يناسب قيمه وأفكاره ,ولكن من غير الطبيعي برأيي أننا الآن وفق هذه الاتجاهات السياسية  صرنا أعداء لاختلافنا بالرأي , ومنقسمون  وفق تسميات يجب ألا نرضاها اليوم  إلى ” مندس ” أو ” منحبكجي”  ,بدأ الأمر كوميديا سوداء تعبر بصراحة عن الواقع الذي نحن فيه , ولكنه أصبح الآن ثقافة لنشرا لكره , نحن الآن ” مع ” و ” ضد ” , غالبا كل منهما لا يتقبل علاقة انسانية من أي شكل مع الطرف الآخر و أصبحنا نتعامل مع هذه التصنيف ببديهية دون أنرى تبعياته المؤذية و معانيه العميقة , وكمية الكره التي يحملها , والتي تجعل لا شيء قادر على الاستمرار بإيجابية .

فالآراء السياسية أو الدينية أو أي نوع من الآراء اختلافها لا يجب أن يعني اختلاف أصحابها , طالما  أن جميع الأطراف تتفق في القيم الانسانية . في حب سوريا والخوف على كل مواطن  فيها أيا كانت أفكاره .. وهذا ما يجب  أن يجعلنا صفا واحدا رغم اختلاف توجهاتنا , وهذا يجب ألا يكون مجرد تنظير مثالي نقوله في كتاباتنا و أحاديثنا..

فأنا وبشكل شخصي لدي أصدقاء مع الثورة في سورية , وأصدقاء ضد الثورة , وأصدقاء لايملكون موقفا محددا .

ولكن للأسف تشدد البعض في اتجاهاتهم السياسية و  محاولتهم جعلها على صواب دائما , جعلهم  أحيانا ينسون القيم الانسانية  و يقبعون بالخوف من الاعتراف بالخطأ , و الخوف المتسلسل الذي يحمل صاحبه  المسؤولية ..والذي يجعله شيئا فشيئا يتجرد من انسانيته ,وهذا برأيي أشد ما يؤلم في سوريا اليوم , لما ذا ؟؟

لأنه قلبنا إلى أعداء ببساطة .  فهويجعل صاحبه لا يترحم حتى على شهيد غير متفق مع رأيه السياسي . ويجعله قادر على الاعتراف بأن اعتقال الناس لأفكارهم وتوجهاتهم السياسية هو انتهاك لحرياتهم وحقوقهم , ولا هو قادر بالتسليم ببديهيات أن حمل السلاح من قبل سوري ضد سوري آخر هو جريمة , ولا هو قادر على الاعتراف بأن الأخذ بالثأر ولو حتى ضد مجرم هو جريمة, ولا هو قادر على رؤية أن الغالبية ” ولن أقول الجميع ” فقط لأني أكره التعميم , الغالبية من وجوه المعارضة ليسواإلا وجها آخر للقمع و الفساد و الديكتاتورية بدلالة بسيطة توضحها أسماء الجمع فقط ..

ولا يجعله قادر على رؤية التناقض , فإذا  كنت أتحدث  عن الاصلاح والحرية , فكيف أستمر بحجب المواقع الالكترونية  ؟

مدونتي اليوم بعد  حجب الورد بريس محجوبة في سوريا   والحجب مجرد إجراء قمعي لا فائدة منه فالجميع قادر على الولوج إلى المواقع المحجوبة ..

 

وفي أحد النقاشات  أجد من يدافع عن هذا القرار ويقول ” بيستاهلوا , لازم يتم الحجب ” فقط لأنه في الاتجاه الذي يريد أن يجعله على صواب دائما ؟

 

و كيف أجد من يفتخر  بخروج الأطفال من المدارس في مظاهرات  تدعو للحرية , ويعرض مقاطع الفيديو  متباهيا ؟ وكيف تبنى حرية على انتهاك حرية فكرية لأطفال لم تتبلور آراءهم بعد ؟ 

 

وغيره وغيره من الأخطاء والتناقضات التي نقبلها فقط لأنها من قبل من نتعصب له بتوجهاتنا السياسية , لنحفر فجوة واسعة في سورية تقسمنا انسانيا وهذا أخطر ما في الأمر برأيي وأشده ألما

 

فكيف نرى الأخطاء  التي لا نقبلها والتناقضات التي لا نرضى بها ,  و نتغاضى عنها كي نبقى على  صواب ؟

كل ما أريد قوله و” أنا أعجز منذ فترة عن الكلام.. في وقت هو للعمل ”

أننا إن لم نعترف بأخطائنا , كخطوة أولى لتصحيحها , فهي لن تصحح  , إن لم نتفق على المسلمات الأخلاقية و نوحد الصف و نكف عن زرع الكره فنحن لن  ننجح فيما نسير به ..

Advertisements