حين نكون صغارا نادرا ما نختلف مع الكبار حول أفكارهم وآراءهم . فنحن تلقائيا في الصغر نتبنى آراء من نحبهم دون  أي تفكير. لأننا ثملك ثقة أو طاعة ومحبة لهم ولأننا لا نملك قاعدة فكرية ولا تجارب عملية كافية لنمتلك رأيا ,بالاضافة الى ذلك نحن لم نربى على امتلاك الرأي أو على اتخاذ القرارت

مؤخرا أعطيت دروسا لطلاب في المرحلة الابتدائية  واحتكيت بشكل مباشر مع ادارات المدارس وسياستها

وتأكدت نظريتي السابقة أن الأطفال لايملكون رأي في تربيتنا , وليت الأمر ينتهي عند ذلك , بل المدارس تقدم الأفكار المعلبة للتلاميذ ليتبنوها كرأي تحت عنوان الثقة والطاعة

فهل يحق لنا ذلك ؟                 

هل يحق لنا تربية الأطفال على اللارأي أو على الرأي المعلب الجاهز ؟

تجربة التدريس كانت تجربة ممتعة جدا على الرغم من أنها كانت متعبة جدا أيضا , و أسوأ ما حصل معي فيها كان أن إحدى المشرفات قدمت لطلابي رأيا جاهزا ولم يكن بيدي حيلة أن أمنحهم حرية التعبير أو الاختيار

فأنا في كل درس أعطيه أحب أن أعتمد أسلوب النقاش و أن اسمع آراء الأطفال , ووجدت بداية صعوبة في التفاعل بهذه الطريقة ولكن غالبا ما كنت أسمع أفكار و آراء لن تخطر ببال أحدنا يوما

ما أزعجني من مواقف حدثت بيني وبين الأطفال والمتصلة  بالأحداث التي تحصل مؤخرا في سوريا :

أحدها دخول إحدى المشرفات إلى صفي وإخبار التلاميذ ألا يتابعوا قنوات معينة وأن يكتفوا بقنوات أخرى

بغض النظر عن رأيي بكل القنوات وسياستها إلا أن ما أزعجني هو سياسة الحجب الفكري , فما أحلم به حتى لنا نحن الكبار , أن نشاهد كل شيء و ألا نغلق أي أفق ومن ثم بالتأكيد سنختار الأفق الصحيح , وسنمتلك رأي !

حينها لم أستطع أن أخبر الطلاب بهذا لأن الأمر أكثر تعقيدا مما يبدو فأنا كنت ” آنسة بديلة “

 أما المضحك المبكي فهو حين كنت أتابع التلاميذ أثناء مذاكرة في مادة القومية كانت إحدى الأسئلة

” ما رأيك بما تتعرض له سوريا من مؤامرة خطيرة , وماواجبك أنت كطفل للتصدي لهذه المؤامرة”

بدأ جميع الطلاب بالبكاء , أخبروني أن هذا السؤال غير موجود بالكتاب ,و أخبرني آخر ما معنى كلمة ” تصدي ” وما معنى كلمة مؤامرة”

حاولت أن أهدئ الطلاب و أجعلهم يتعاملون مع الموضوع بسهولة شرحت السؤال أكثر من 10 مرات دون جدوى , حتى أخبرني أشطر طالب بالصف

” آنسة , أنا منين بدي جيب رأيي ؟”
  وهو يبكي

حينها شعرت أن سؤاله منطقي جدا , فكل سياساتنا التربوية في المنزل والمدرسة تصادر الرأي

وها نحن الآن نطلبه منهم في امتحان وله درجات !!

…..

الفيس بوك موقع رائع حقا

لطالما استطاع أن يجمعني مع أصدقائي وأقاربي في كل أمكنة العالم ليتخطى حدود الزمان والمكان

في هذه الأيام وفي الأحداث الأخيرة التي تمر بها سوريا

جميع من يمكلك حسابا على الفيسبوك تناقص عدد أصدقائه قام بحذف البعض أو حذفه الآخريون بسبب آراءه

حتى التكنولوجيا لا تقف في طريق الغائاتنا

في هذه الأحداث الأخيرة لم أحذف أي شخص مهما اختلفت معه بالرأي ورفضت الانضمام لصفحات تهاجم أفكار الآخرين وتمدح أفكارا آخرى رغم اني لا اتفق مع أفكار من هوجموا وأتفق مع من مدحوا ولكني لن أدخل في هذه المتاهة التي تنشر الكره والتي  ليست غايتي

وبالنهاية ..

نحن وأصدقائنا وأقاربنا من حول العالم

لم تفرقنا المسافات ولا الوديان ولا الجبال

وحده اختلاف الرأي  فرقنا !

ولا عجب في ذلك فنحن ربما لأننا لم نربى على امتلاك الرأي فما ان كبرنا وتبنينا أفكارا أصبحنا غير مستعدين لسماع غيرها

ان لم نربى على امتلاك الرأي , فلن نربى على احترام الرأي الآخر

 سيكون هدفي الأول مع أطفالي ومع الأطفال الذين أتعامل معهم هو  أن أمنحهم الاختيار والفرصة لابداء الرأي و احترام الرأي الآخر ..

….

هل من شخص سوي قد لا يحب الوطن . ؟ ومن قد يكره القانون ؟ من قد يكره العدالة أو المساواة أو الحرية ؟

هذه ليست آراء بل بديهيات

ومن قد لا يؤمن بكل هذه البديهيات ؟ ..لا أحد ولا أحد

جميعنا نؤمن بها

إذا فليكف جميعنا الآخر عن التنظيرات والدعوات لحب الوطن والشعارات الرنانة والاعلانات الطرقية التي تملأ كل الأمكنة

ليس لأني لا أوافق مضمونها , بل لأني بديهيا أوافق مضمونها

وما أدعو إليه هو الكف عن هذه التنظيرات التي لا داعي لها ولنشغل أنفسنا ووقتنا ومالنا بما هو أهم ..

 

….                                      

اليوم كنت أجلس مع صديقتني , روت لي حادثة مضحكة .. ضحكنا طويلا .. ثم صمتنا وعم هدوء مفاجئ بيننا وانتابنا لحظات البكاء ..

أشعر مؤخرا أننا جميعا ومهما اختلفنا بالرأي , لا نشعر بالسعادة ونشعر بتأنيب الضمير إن شعرنا للحظات بالسعادة لينتابنا اكتئاب مفاجئ ومزمن

فكيف نضحك والشهداء يسقطون . ؟ كيف نضحك وأهاليهم يبكون ؟

 كيف نضحك والطرقات لم تعد مزدحمة وكأن الخوف يسكنها ؟

لن نتمكن من الضحك دون تأنيب الضمير , مادام الحزن يسكن في طرقات سوريا

و إن ضحكنا سهوة فستكون ضحكاتنا اهداءا لأرواح الشهداء…

 

….

 

Advertisements