فجأة ارتعد الناس خلف نوافذهم لا يتجرأون حتى على رفع الستارة , فقط صوت اطلاق النار من يطغى على الأجواء

ساعات ولا يحيط بها إلا جدران البيت , وكأن الرصاصات تدق هذه الجدران لتضيق وتضيق و تزيد اختناقي

وبعد هذه الساعات حل هدوء ما بعد العاصفة …

الآن تتصل الأسماء والأوراح ببعضها للاطمئنان ..

كنت أفكر  أين آدم ؟ هل حل به مكروه لم يمر من حارتنا بعد ..

حل المساء , أين آدم . ؟ البدر في السماء وكأنه خد كبير على يمينه نجمة وعلى يساره أخرى , وكأنه يبكي

أين آدم . ؟

رأته على شاشة التلفاز , في أحد المشافي بنزف دما وعيونه كانت ترقبها تبتسم وتبكي معا

أخبروها أنها رصاصة طائشة وهو يعبر الشارع وهو يحمل لافتة ما بشعار ما على صدره .. وأنه ليس الوحيد هناك طفل أيضا كان في الشارع صدفة

 ماهو ذاك الشعار حتى كلفه حياته !؟ وماذنب طفل بريء ؟

هنا تذكرت كل مرة كانت معه فيها يعبرون الشارع لتنسل يده على كتفها ويحميها من الطريق ,  من الأضواء من السيارات من الهواء المعاكس  , كانت تعتقد أنها حيلة بريئة ليلامس كتفها أو ربما ليضمها دون لفت الأنظار

ولكنها اليوم أدركت أن عبور الشارع يحتاج للحماية في زمن في طرفي شارعه الرصاص والصدور العارية

تمنت لو أنها كانت معه لربما وضعت يدها على كتفه , وحمته كما كان دوما يحميها ..

انسلت قنوات التلفزة من حولها كانت أضواء كاميراتهم تعبر من بين دموعها , ليسألوها أن تروي القصة , أن توجه اتهامها , أن تدين فلان , او تدين فلان في الطرف المعاكس , كانوا لا يأبهون أن تعيد القصة مرارا ومرارا , وتعيشها ألف مرة حتى تفقد انسانيتها وتتشبع بكل غرائز الحقد والانهزام , هم حقا لا يأبهون لآدم

هي أرادت أن تتحدث عنه هو , وليس عن موته

بصوت عال قالت : لم يكن آدم ملاكا , لم يكن انسانا مثاليا , كان بشرا بكل معنى الكلمة , كنت أكره كيف يرمي أوراقه من النافذة وكيف لا يأبه لكل محاولاتي بجعله يحافظ على النظافة , كان فوضويا , كنت أكره تسريحة شعره , وعناده الطفولي رغم أنه مخطئ , وأعود لأحبه أكثر حين يمر من حارتنا ويعطي الأطفال الصغار البسكويت وأطايب الأطفال ,

وكيف ينتظر بمكر رحيل والدي كي يقف تحت نافذتي لبضع دقائق , كنت أحب قصائدهرغم أنها سيئة

كان شابا له أحلامه بالأمن والحرية والحب والعمل

كان بشرا , كان انسانا ! وما قتله إلا أخوه الانسان

لكنه الآن روح تحيط بهذه المدينة , تنشر الأمل والحزن معا , ربما هوأكثر منا حقيقة .. هو الحقيقة ونحن الخيال .. ربما هو من بقي ونحن الراحلون منذ الأزل

ألا ترون كم هي حزينة هذه المدينة ؟ لرحيل آدم ومحمد وعلي عيسى وحسين  وأحمد وطارق ولؤي ….؟ , من قال أن الأمكنة لا تشعر ؟ المدينة كلها كانت حزينة
شيء ما في الهواء حزين في زوايا الطرقات , في عيون السماء ,شيء ما في الصمت المدوي , شيء ما في تغريد العصافير ,شيء ما كان ينشر البكاء
شيء ما في كل شيء وربما في اللاشيء كان حزينا على الشهداء

بعد أن روت القصة حتى جف حلقها وسكنه الحزن سألها أحدهم                                                                                 

–          ما هو شعورك ؟

–          ( شعرت بسخف السؤال )  أجابته أشعربالجنون وبكثير من الوهن !  جسديا ونفسيا

–          من الذي أصابك بالوهن  ؟

–          أصابع اليد التي أطلقت الرصاصة , السلاح , الرصاصة , الهواء الذي حملها , صدر آدم الذي احتواها كلهم يشعرونني بالوهن  , الدم , عيناه الحزينتان , أم آدم , أبوه , أخوته الصغار , أنا ووهني نصيبني بالوهن , جارنا أبو محمود الذي يبني عمارا مخالفا لينتهز الأوضاع في ظل ما يحدث , ومعرفتي بأن فقره يجبره على ذلك يصيبني بالوهن أكثر .  حزام الأمان في السيارات الآن يصيبني بالوهن , لا أحد يخاف من مخالفة انتزاعه , الأطفال يصيبونني بالوهن في هذه الأيام ,رفض أخي الصغير من الذهاب إلى المدرسة خوفا من أن يموت , فلازالت صور الشهداء ترسخ بذاكرته من التلفاز , يوهن نفسيتي  أطفال الشوارع  فرغم أن كل شيء ليس في مكانه اليوم لازال هؤلاء الأطفال المستغلين المشردين في الشوارع وحدهم من يحتفظون بأمكنتهم ليسألونا الصدقة وننهرهم من جديد , فقط في قضيتهم لم يتغير شيء ,الفقر يصيبني بالوهن ,  الكذب يصيبني بالوهن , الاعلام والإعلان , الرد والرد المعاكس , الأفكار والسياسات والخطوط العريضة والخطوط الضيقة , المقابلات والتحليلات السياسية , المشهد الأصلي والمشهد الممنتج ,

الصوت العالي يا سيدي يصيبني بالوهن , إن غرّد عصفور على نافذتي وأنا نائمة بصوت عالي أخاف من صوته وأعتقد أن في حنجرته رصاصة, الاختيار بين الماء والهواء بين الأمن والحرية بين أبي و أمي يصيبني بالوهن , الاعتقالات السياسية والمحاكمات تصيبني بالوهن

الظلم .. الظلم .. الظلم .. والخوف يحتلون الوهن الأكبر

أنت وأسئلتك تصيبني بالوهن , ولكن أستطيع أن أخبرك أن أكثر ما يصيبني بالوهن هي كلمة ” وهن بحد ذاتها ” !

دعك من وهني  , ولنصلي لروح آدم وأصدقائه ,فهم الحكاية ولست أنا  لست أنت ,  ولنطلب الرحمة والغفران منهم ولهم ..

تمت

القصة مهداة إلى كل شهداء سوريا الذين سقطوا في الأحداث الأخيرة

Advertisements