اكتشفت مؤخرا ( في أثناء بحث معمق كنت أقوم به في الكلية عن الأمراض والاضطرابات النفسية ) أننا جميعا نعاني أشكالا من الاضطرابات والأمراض النفسية مهما اعتقدنا أنّنا سليمين

وعلى الرغم من انّه لا مكان في مجتمعنا للاعتراف بأننا نعاني اضطرابات نفسية أو أننا نزور طبيبا نفسيا

لأن صفة ” الجنون ” ستلصق بنا حتما , وسمعة العائلة ستشوه إن عرف أحد أنك تزور طبيبا نفسيا , وربما يصبح ذلك علامة سوداء في حياتك وتاريخك كافية بأن تصيبك بكافة الأمراض النفسية

لذلك سأعرض اكتشافاتي مرفقة بكل اضطراب نفسي  وليبق كل ان شاء اعترافه لذاته .

سأتحدث علميا ونفسيا وبخيالات واسقاطات مجتمعية عن الاضطرابات العصابية :

 أي تلك التي تكون في شدتها أكثر من المألوف أو المقبول لدى الانسان

 

1-      عصاب الوساوس و الأفعال القهرية :

و هو أفكار تتسلط على الفرد وتلح عليه على الرغم من شعوره بسخافتها وعرقلتها لسير تفكيره .

بحيث لا يستطيع الهروب منها وإن حاول يشعر بنوبة شديدة من القلق .

قرأت أننا جميعا نختبر الأفكار الملحة لكنّ انتظام حياتنا وسيرها قادرعلى أن يضيع هذه الأفكار

مثل محاولتنا لمد اليد للمس أعمدة الهاتف أو الأشرطة في الحديقة أو المشي بطريقة معينة على الرصيف  

لولا انشغالنا بأمور أخرى في حياتنا و أفكار أخرى لسيطرت تلك الأفكار علينا

أنا شخصيا حين أمشي ويكون من حولي أشجار لا أستطيع منع نفسي من لمس  أوراق الأغصان فوقي وأحيانا قطفها

وهذه تعتبر أفكار غير متطرفة كثيرا في إلحاحها  ولا يمكن تصنيفها كعصاب وساوس

أما عن الأفكار الملحة بشدة قرأت عن شخص لا يستطيع أن يرى ثقبا إلا ويضع اصبعه داخله في الخشب أو القماش أو الحائط أو أي مكان و في ذات مرة استضافه صديقه في بيته فلم يستطع أن ينام إلا حين وضع الكثير من أثاث الغرفة فوق طاولة ليصل إلى ثقب كان في سقف الغرفة ليضع اصبعه بداخله , وتحدث قائلا : أنه حينها فقط شعر بالارتياح

 عن الكثيرين منا سأبدأ بفكرة بسيطة أنني أحيانا أتفقد مدونتي وإيميلي وهاتفي  بشكل هوسي إن كنت أنتظر  رسالة من شخص ما أو اتصالا ما , أتفقدهم وأعيد تفقدهم من جديد في الثانية التي تليها , أشعر بسخافة ما أقوم به ولكني إن توقفت أبقى مشغولة البال وأشعر بنوبة من القلق .

في حادثة أخرى أخبرتني أمي أنها حين كانت توصلنا للمدرسة ونحن صغار السن كانت تبقى مشغولة البال وتخاف وقوع مكروه لنا وأحيانا كانت تترك كل ما يشغلها وتزورنا في المدرسة لتطمئن علينا  , هذه أيضا من حالات العصاب المؤذية والتي تعاني منها كثير من الأمهات الحديثات

ربما يمكنني أن أجري اسقاطا لاضطراب الوساوس المتسلطة على فئات معينة من الناس

تلك التي تشغل أفكارها بشكل مرضي فكرة ما مثل : ”  تمسيح الجوخ ” أو ”  إثبات أخطاء الآخرين ”

بعض الأشخاص وقد عايشتهم شخصيا يتتبعون أخطاء الآخرين والأمر خارج تماما عن ارادتهم

إحدى زميلاتي في الكلية وفي إحدى حصص تقديم واجبات تطلب الكثير من العمليات الحسابية

كانت تعيد العمليات الحسابية لكل طالب للتأكد من أرقامه , ليس من أجل شيء إلا كمحاولة لتصيد الأخطاء التي قد يرتكبها أحد ما ! وكان الأمر الذي تقوم به سخيفا فهو لن يعود عليها بأي نفع ولكن كانت وكأنها لا تستطيع التوقف

أما بالنسبة ل ” تمسيح الجوخ ” فأيضا الأمر لدى بعض الناس هوس خارج عن السيطرة  

من أعراض المصابين بهذا المرض : أنهم أشخاص لديهم الكثير من القواعد والتفصيلات والأنظمة التي يضعونها لهم ولمن حولهم , ولكنهم يخرقونها بطريقة سرية وفي مكان لا يراهم به أحد

كشخص مهووس بالنظافة والترتيب , لكنه يملك خزانة فوضوضية غير نظيفة أو مرتبة ولا يعلم بها أحد

فكرت .. بتلك الخزانة حين قرأت القصة

وشعرت رغم أن تلك الخزانة رمز لنفاقه , لكنها أيضا متنفس في ظل قوانين وعادات وتقاليد كثيرة

وذكرتني بنــا نحن ..

حين أمعن التفكير في عصاب الوساوس القهرية أجد ملايين الأفكار السخيفة والأفكار الملحة التي تسيطر على ملايين الناس ولا يستطيعون التوقف عن القيام بها

 

2-      الهستيريا 

جميعنا ربما دون أن ندري عايشنا حالات من الهستيريا فجميع حالات الإغماء التي تصيب البعض  في حالات الخوف من الامتحانات أو العمليات جميعها من حالات الهستيريا

 

فالهستيريا : هي اضطراب في الوظائف الحركية أو الحسية أو الذاكرة , يعبر عن صراعات عصابية من خوف وقلق وغضب

وبشكل أبسط  : هي آلام نشعر بها في الجسد أو اضطرابات في الحواس او في الذاكرة ويكون سببها نفسي عصبي  وليس فيزيولوجي .

قرأت قصة عن جندي كان في 23 من عمره قضى 3 سنوات في المستشفى يحاول علاج شلل أصاب قبضة يده اليمنى ولكن العلاج لم ينجح , فهو كان قادرا على تحريك الابهام والسبابة فقط أما الأصابع الباقية فكانت ملتصقة بوضع من يقبض على كرة صغيرة وكانت محاولات تحريكهم مؤلمة وفاشلة  , فتوصل الأطباء إلى نتيحة أن حالته هيستيرية وعند علاجه النفسي اتضح أنه يشعر بالاثم لأن صديقه توفي في المعرقة وهو كان يمسك قنبلة صغيرة ولم يقم بالقائها , والقنبلة كانت تمسك بالطريقة التي عليها يده المشلولة . وعند علاجه النفسي تمكن من تحريك كل أصابعه

للتوضيح أن الهستيريا هي محاولة دفاع نفسية . أي : الجندي السابق أصيب بالشلل في محاولة لاشعورية منه لتفادي القلق الناجم عن الصراع

                                                 

في قصة عايشتها إحدى صديقاتي تزوجت من شخص لاتحبه منذ أيام زواجها الأولى أصيب بألم حاد في ساقها وأصبحت ” تعرج ” بساقها تلك

أجرت جميع التحاليل الممكنة وزارت عدد من الأطباء واستمرت مشكلتها ما يقارب العام , دون أن يعرف سبب لها

ومن ثم زال الألم مع تكيفها مع ذلك الزواج  مع الوقت .

عدا عن الأعراض الجسدية من أعراض الهستيريا أن البعض يحدث لديهم اضطرابات  في الحواس زيادة أو نقصان والبعض يفقد الذاكرة جزئيا أو كليا البعض يعاني ازدواج في الشخصية والبعض يسير أثناء نومه والبعض يعاني التجوال والتشرد فينسى من أين أتى أو أين منزله , والمصاب بالهستيريا  يعاني ما يعانيه الأسوياء عادة حين يشعرون أنهم يعرفون شارع مروا به للمرة الأولى أو أنهم يشعرون أن ما يحدث قد حدث قبلا  ,لكن الفرق أنهم يعيشونه وهم يصدقونه فعلا

عن ازدواج الشخصية : فيقال أنه هروب الشخص من ذاته ومن صفاته الشريرة التي لا يحبها  , أو هروبه من ذاته الطيبة إلى شخص يفجر شهواته المكبوتة

هل عايش البعض  منا نسيانا لأحداث معينة لايريد تذكرها ؟

أنا فعلت , نسيت فعلا الكثير من التفاصيل التي لا أحبها  , 

و أعتقد أحيانا أن حكوماتنا مصابة بالهستيريا حين يصيبها فقدان الذاكرة الجزئي وتسعى للسلام مع اسرائيل مثلا !

وأعلم علم اليقين أن الأطفال المشردين في الشوارع في حارات دمشق القديمة وفي أحيائنا الفاخرة لا يعانون الهستيريا بل هم فعلا لا يملكون منزل , وأخشى إن تحدثنا كثبرا عن قضية أولئك المشردين أن تدعي الجهات المسؤولة دفاعا عن نفسها لأنهم مصابون بالهستيريا , لذلك أردت التوضيح

 

3- القلق  العصابي

قرأنا جميعنا في الأخبار والصحف محاولات انتحار بعض الطلبة البكلوريا وانتحار بعضهم فعلا

هذا بشكل أو بآخر مرتبط بالقلق العصابي

فهو حالة قلق شديد ومنحرف  , له أعراض تعبر عن تكيف غير مناسب للفرد مع الظروف التي يعيش بها .

ويشعر المصاب به وكأنّ خطرا عظيما يكاد أن يقع فيصاب بالهلع

القلق العصابي يصيب الأفراد ممن يعلو ذكاؤهم المتوسط غالبا ..

في محاولة اسقاط مجتمعية فإن غالبية الموظفين الحكوميين يعانون من حالات القلق العصابي في الأيام الأخيرة من الشهر وفي الأعياد و المناسبات التي عليهم أم يقلقوا بها كيف سيؤمنون حاجاتهم وحاجات أولادهم وعائلاتهم

أسباب هذا القلق هو خبرات ومشكلات الطفولة التي لم تحل , والكبت ( وما أكثره )

وبالنظر إلى العنف الذي يمارس على بعض الأطفال في المدارس أو من قبل والديهم والكبت الذي يعانيه الطفل و المراهق في مجتمعنا فلا عجب أن يكون المستقبل مليئا بحالات من القلق العصابي  .

 

 

في النهاية ..

جميع حالات العصاب يتدخل فيها المجتمع والبيئة  بالاضافة للتجارب التي يعايشها الانسان

ولكن العامل الأهم برأيي هو ذلك الذي نستطيع السيطرة عليه وهو نوع التربية التي نربيها لأطفالنا وما نوفره لهم من بيئة سليمة ملؤها الأمان والحنان  والطمأنينة , الخالية من العنف و الأذى

للتربية والتعليم إن أوليناهم الاهتمام الكافي  دور في جعل مستقبل أطفالنا أخف حملا من اضطراباته النفسية ربما بكلمة حب و بأسلوب تعامل

وأخيرا  ربما بعض الاسقاطات التي تحدثت عنها لا تصل إلى شدة بعض تلك الاضطرابات النفسية لمنها تقترب كثيرا منها, و ربما نحن نخاف من مسميات تلك الأمراض لأننا نجهل تفاصيلها وربما ببحث قليل داخلها وباكتشافنا بأنه لشيء طبيعي أن نعاني بعضا منها نصبح قادرين على التعامل معها عند تحديدها , وربما حينها لا نشعر بحرج منها , أو بحرج من زيارة عيادة طبيب نفسي .

  ….

Advertisements