منذ مدة كنت أطلع على عدد من مجلة ” ماجد ” للأطقال ,
كان في المجلة قسما مخصصا لمشاكل الأطفال , حيث يرسل الأطفال مشاكلهم ويقوم المسؤولون بالمجلة بالرد عليها .
إحدى الفتيات في الثالثة عشر من عمرها أرسلت مشكلتها مع أمها , حيث أنّ أمها تشكك بها على الدوام لاتدعها تجلس بغرفتها وحيدة أو تخرج وحيدة أو تتحدث على الهاتف , والسبب أنها رأتها تقف في المطبخ مع ابن عمها ..
و أقسمت الفتاة أن لاشيء يحدث بينها وبين ابن عمها , وأنها تريد استعادة ثقة أمها بها ..
كان رد المحررين بالمجلة يخاطب الفتاة ويلقي بكافة اللوم عليها , لأنها انفردت مع ابن عمها بالمطبخ !
فلو لم يكن هناك خطأ في تصرفها لما فقدت أمها ثقتها بها
وبعد تحميل الفتاة كافة اللوم , ( المسكينة حملت وزر مجتمع بأكمله ) كانت النصيحة لها بقراءة القرآن والتقرب من الله عزوجل وعدم تكرير فعلتها تلك مرة أخرى
عني أنا لا أتقبل طريقة طرح تلك النصيحة بصيغة تلام بها الفتاة على خطأ لم ترتكبه حتى
ولم أفهم ارتباط تلك النصيحة بالمشكلة ,
فالواضح أنّ الأمر يحتاج اجراءات غير التدين
المشكلة مشكلة مجتمع كامل ( المجتمع السعودي ) وتعصبه وليس مشكلة الفتاة وحدها
لكن بالرغم من ذلك أطفالنا أيضا يقرؤون ذلك يتأثرون به ويتابعونه بشغف
أما عن جوهر النصيحة وهو قراءة القرآن الكريم , فهو ( برأيي الشخصي ) فعل سامي ومطمئن للروح
ولا أدري لم يستخدم كعقاب للمراهقين , ولم تدرس مبادئ الدين كتكفير للذنوب وعلى مبدأ الترهيب والجزاء وتر كيب العقد النفسية!

في إحدى مواد هذا الفصل الدراسي ذهبنا في زيارة لغرفة مرشدة نفسية في إحدى المدارس
كانت تجربة فريدة من نوعها , الأطفال يدخلون ويتحدثون للمرشدة عن خلافاتهم مع بعضهم ومشاكلهم
بعض القصص كانت مضحكة ( كشجار تم من أجل الجرس ومن سيقوم برنه )
وبعض القصص كانت مؤثرة جدا
كان هناك طفلا يعاني من مرض التوحد , أهله لم يقتنعوا أنه يعاني مرض التوحد , ويقنعون أنفسهم أنّ كل الأعراض التي يعاني منها هي ” تمثيله الشخصي ” !
حين رأيته كان يدور في الغرفة ويضحك لي فجأة ولكن كأنه كان لايراني أنا بل يرى شيئا من عالمه الخاص
, يقترب ويبتعد ويقفز , وحين خرجنا أمسك بيد صديقتي ولم يفلتها ونظر إلي وهو يردد ” باي باي باي باي باي … ”
طفل آخر كان في الصف الثاني ,عدواني جدا , أخبرته المرشدة ألا يضرب أحدا وان ضربه أحد فليأت ليخبرها وهي ستعاقبه
كان عندها يشتكي لها أسماء بعض الأطفال , وكان هناك عدة جروح قديمة في وجهه
بدأت المرشدة معه حوار شخصي لطيف جدا , قادنا الحوار لمعرفة أن الطفل يعاني من طلاق والديه و وجود زوجة أب له
ربما هي قصة معتادة نسمعها كثيرا , ولكن حين تسمعها من طفل في الصف الثاني صوته يقاوم البكاء يختلف وقعها عليك
لم أستطع كبح نفسي , بكيت في غرفة المرشدة أكثر من مرة . و أكره حين لا أستطيع السيطرة على دموعي
حين رويت القصة لإحدى زميلاتي , حكمت بأني لن أتحمل مهمة الارشاد النفسي
ونصحتني بألا أعمل في هذا المجال ..
ربما يكون كلامها صحيحا من حيث تزعزع صلابتي أمام المشاكل المؤثرة ,
ولكني لن أتقبل نصيحة تطلب مني التخلي عن أمر أحبه , و أبرع به . وكرست في دراسته خمسة أعوام من عمري

..

إحدى صديقاتي تحب شخصا من مذهب مغاير لمذهب دينها
كلّما علم أحد بقصتها , يخبرها بصيغة النصيحة ” كان عليك ألا تحبي شخصا غير مناسب ”
هذه النصائح متنهية الصلاحية التي تحتاج عودة بالزمن للوراء لا أفهمها وأبدا
وأيضا : يتحدثون وكأنّ الحب قرار يعرف عقدنا في المذاهب والأديان !

..
أكره النصائح التي تأتي بصيغة الأمر , والتي تفرض سلطة الشخص الآخر عليك
وتلك التي لا خيار لك فيها , أي التي إن لم تقم بها بخاصمك قائلها ويدعي جحودك , أو يشمت بك إن لم تتبعها وفشلت ..
فدائما نحن لا نتعلم إلا من هفواتنا الخاصة ومن تجاربنا الشخصية

..
يتهموني بالعناد
فأنا بشكل عام لا أتقبل النصيحة دائما , بشكل أعمى , إلا من أمي “وليس بشكل دائم ”
مثلا : حين يخبرني أحد ” هذا الفيلم أو هذا الكتاب لا أنصحك به ” لا أعمل بنصيحته
أحب إطلاق أحكامي الشخصية على الأمور
أمّـا يخبرني أحد ” هذا الفيلم أو هذا الكتاب أنصحك به ” فأنا أقوم بقراءته أو مشاهدته
وأطلق أيضا حكمي الخاص بعدها ..

بالخلاصة : أحب النصائح النابعة من المحبة وأقدرها بكل أشكالها
دون أن تفرض سلطتها علي وتقيدني وتعاند مبادئي
دون أن تحرمني من التجربة ومن رأيي وحكمي الذاتي
دون أن تغلق أبواب العالم في وجهي ..

Advertisements