كان الأمر عصيّا على التصديق , ..
تاريخ أحزاني و بؤس من حولي يجعل سعادتي الدائمة معه, أمرا عصيّا على التصديق
سعادتي تلك التي أنجبتها من رحم قلبه , لها حدّة عينيه , وملامح تفاصيله , لهما ذات الضحكة , ورثت زمرة دمه و ندبة أنيقة في جبينه ,كانت سرّ أبيها , سعادتي تلك هي طفلتي منه , تلك التي تبهجني وتجعلني في أرق دائم
أخاف عليها ! طفلتي هذه عصيّة على التصديق ..
كنت دوما أشعر ان الأمر أصعب من أن يكون حقيقة , فكم مرّة يمكن للقدر أن يقبل بجمع امرأة مع فارس أحلامها الخيالي ؟ , أن تجده فجأة وتعلم أنه هو فارس الأحلام دون سابق تخطيط أو مواصفات
كنت أحتفل كل يوم على مرور يوم جديد لنا معا , كنت أحصي الأيام وكأني أحاول أن أخلق ضمانة لطفلتي كلما كبر الرقم أكثر .. وكأنه رصيدها في البنك الذي ستؤسس فيه مستقبلها ..
كل يوم جديد بحة صوته تخبرني و لم أعد أشعر أنها عصية على التصديق , انتابني شعور مفرط بالأمان ومفاجئ همس لي
وآمنت أن طفلتي ستكبر وتكبر دون توقف..
كنت أكتب رسالة إليك , أردت أن أخبرك ” حبيبي ابنتنا ستكبر , لن أفرط في حمايتها بعد اليوم , كي لا تهرب مني ”
لكن ألما في يدي أوقفني عن كتابة الرسالة , أخذت حبة المسكن التي اعتدتها كلما آلمتني يدي ,وتابعت رسالتي إليك
في تلك الليلة كان الألم يسري صعودا إلى كتفي , ويلكز في صدري , ويعود إلى كتفي هبوطا إلى يدي
هذه هي رحلته , وكأنّ يدي سكةً لقطار سريع في ساحة للملاهي , يقطعها مليئا بالأطفال الذين يصرخون خوفا وفرحا
كان صدى صرخاتهم يصل إلى فمي , فأقول الـ آه دون أن أدري , وأحيانا أحاول أن أدمدم أغنية ما لتطغى على أصواتهم ويساعدني المسكن بذلك أحيانا
كان الألم موجود, ولكني بطريقة ما لم أكترث له , كان لدي من السعادة والراحة معك فائض يتغلب على أي محاولة ألم
فقد كنت تشغل خلاياي , فلا أشعر ان هناك وقت للألم !
في اليوم التالي كنت أشعر بثقل في رأسي , تلك المسكنات كانت تحتاج لعشرات الساعات من النوم وأنا لم أكن أملك إحداها
قررت الذهاب للطبيب , تخلصا من آثار المسكنات , ذهبت و أنا على يقين أنني أذهب من باب الرفاهية ,
كنت أجلس أمام الطبيب , أشرت له لمكان الألم وطريق عبوره وصولا إلى القلب .. وصولا إليك !
فكرت في سري ربما هو حبك كبر بشدة وماعاد قلبي يتسع له .. ضحكت بسري كالمجنونة بينما كان الطبيب يفحصني
كان يلمس صدري بيديه و كأنه يبحث عن شيء ما , أربكني تنقل يديه وعبوس وجهه
لمس شيئا ما , صمت قليلا و أخبرني دون تردد يبدو أنها كتلة
أنا لازلت لا أعطي الأمر أية أهمية , ولا حتى للهجته القاتمة أو عبوسه المفرط
أخبرني أن عليه أن يجري المزيد من التحاليل وأن يأخذ خزعة ليرى إن كانت الكتلة سليمة
أجبته بأني سأعود في وقت لاحق لأقوم بذلك ..وقررت ألا أعود .. لا أدري لماذا !
ربما كان خوفا , أو هروبا , أو عدم مبالاة , أو ربما كانت سعادتي تجعل احتمال مرضي أمرا مثلها عصيا على التصديق
ومرت أيام.. كنت فيها في قمة السعادة وفي قمة الألم
كنت أريد أن أخبرك , و كلما وصلت الكلمة لحدود الشفاه أتردد , كي لا تحسب أني مريضة بحق , فتقلق
لكني في لحظة من ذاك الألم .. أخبرتك ,
أصابك هلع كبير يومها أتذكر ؟ , و طلبت مني أن أذهب للطبيب , وأجري التحاليل
يومها , خوفك انتقل إلي , وبدأت أفكر جديا في الموضوع
هل سأكون مريضة حقا ؟؟
وبدأت ألتمس تلك الكتلة , وسألت نفسي هل من الممكن لقطعة من جسدي ألا تكون صديقتي ؟
في اليوم التالي ذهبت للطبيب سرا , لم أخبر أمي أو أخوتي , كنت أكره نقل القلق
أجرى لي الخزعة , وأخبرني أنّ نتيجة التحاليل تحتاج ما يقارب الأسبوع
كنت أفكر , وهل سأنتظر أسبوعا كاملا متأرجحة بين احتمال الموت والحياة ؟
كان حمل الوقت على كتفي الاحتمال أثقل مما يبدو , لم أكن أريدك أن تحمل ذاك الثقل أيضا
حين سألتني بلهفة , كنت أبلع دمعاتي لا أدري لم انتابني الخوف يومها
أخبرتك أنّ الأمور بخير , وأن الطبيب نفى لي احتمال أي مرض
أخبرتك أني سأسافر لاستشارة طبيب بضعة أيام
سامحني كذبت يومها , كنت أبتعد فقط , فقد خفت أن يخضعني الألم والقلق فأبوح بخوفي كاملا ..
اختبأت لعدة أيام , كانت طويلة , وثقيلة , وكان ذاك القطار يعبر باستمرار في يدي , ويطلق صفارته في صدري
كان الأطفال لازالوا يصرخون حتى وأنا نائمة ..
حاولت أن أخفف ألمي وفكرت , على الأقل الأطفال سعداء!
وأخيرا غدا سأعرف نتيجة خزعتي وأعود من سفري الزائف ,
ذهبت للطبيب سرا أيضا ,
وبينما كنت أقف على الباب , فكرت ألا أدخل , وألا أعرف النتيجة أبدا .. ببساطة
لكني لم أستطع , لطالما أحببت ألم الحقيقة
سلمني الطبيب ظرفا بني اللون , لم أفتحه , فضلت أن أنظر إلى عينيه مباشرة كمن ينتظر الخبر
أخبرني بشكل قاطع , شعرت وقتها أنه عديم الإحساس و لا مبال : “سرطان الثدي ” من الدرجة..
لم أعد أسمع حديثه ,قلت له شكرا , سأعود لاحقا وخرجت مسرعة
لا أدري لم شكرته يوما , ولم حملته وزر مرضي أيضا !
بدأت أسير بلا هدى , أفكر بك , و بأمي , بأبي , بأخوتي , بأصدقائي , بكل من أحبهم !
هل سأموت ؟
لم يكن فقدان الحياة ما يبكيني حينها , بل فقدانهم , كل أحبتي
لم أستوعب الأمر وعدت أكلمك وأخبرك أني عدت من السفر وأن الأمور كلها بخير
عاتبتني لأني لم أتصل بك , فأخبرتك أني لم أستطع إجراء اي اتصال
لم أكذب حينها , في منطقة الانتظار , لا تستطع إجراء أي اتصال , لا تستطع إلا انتظار الرنين المطلوب
مرت أيام كنت أفكر بها ماذا علي أن أفعل ..
كانت طفلتي لازالت بصحة جيدة , كانت تتنفس على صدى صوتك , أو ربما فقط على حقيقة وجودك
حينها قررت ألا أفسد سعادتك , وقررت ألا أخبرك أبدا , قررت ألا أخبر أحدا أبدا
لم يكن نقل الأحزان يوما أدائي , و لم أشأ يوما للحب أن يتحول لا إراديا إلى شفقة
كنت أريد أن تتشاجر معي إن أردت ذلك , أن تعاندني , أن نكون في علاقة طبيعية , لا يعلم ظروفها غير الطبيعية سواي
وليتني لم أكن أعلم ..
مضى شهران , كان ذاك القطار يزيد سرعته , و كأن الأطفال يدعون أصدقائهم الكثر , ويصرخون بكل قوتهم
ولازالت تلك الصفارة تقرع في صدري
ويوما بعد يوم , كنت أشعر أن سكة ذاك القطار بدأت تصدأ , فكان مروره يدوي أزيزا على ساعدي
لم ألجأ إلا للمسكنات , لم أشأ أن أفقد شعري , ولم أشأ أن أفقد ثديي
لم أشأ أن أمنحك نصف امرأة , ولم اتجرأ على فقدان نصفي من أجل أيام إضافية
كنت أهرب من فكرة ” وماذا بعد ؟ ”
وأعتقد بكل حماقة أنّ حلّا ما سيهبط فجأة دون دواء دون علاج , ودون أن تعلم أنت
حينها لم يكن النوم نوما حقا , كان ليلا طويلا لم يرافقني به إلا الله , ودعواتي له بأن يخفف ألمي
كان النوم محاولات لغفوة لا تستمر لأكثر من خمس دقايق لتنتهي بكلمة ” آه ” ,وبأفكار تجرها أفكار ..
مضى شهران , في كل يوم فيهما كنت أريد أن أخبر أحدا ما , أريد أن أخبرك أنت
وأكتفي بالصمت , لكن تلك السعادة بداخلي لم تتزعزع رغم كل شيء
لكنّي تغيرت , ربما هي المسكنات , أو ربما هو ذاك السر الكبير الذي أخفيه عنك
أو ربما هي حاجتي المستميتة إليك , أصبحت كالأطفال , عصبية بشدة , أشعر بأنك لا تفهمني
ثقلت خلافاتنا بثقل السر في داخلي , وشعرت أننا نبعد
وفي ذات ليلة , وقبل أن يبدأ القطار برحلاته الليلية
قررت أن أخبرك , أخبرتك أني أحتاج التحدث إليك , وحين وصلت
استجمعت شجاعتي ورددت الكلمات بداخلي ” أنا مريضة , وأحتاجك ”
وحين سألتني عن ماذا تريدين التحدث , أخبرتك ” أريد أن نفترق , كبرت خلافاتنا ”
لا أدري , ما هو الطريق الذي تسير به الكلمات من داخلنا إلى أفواهنا , لا أدري أي عوامل وأي أفكار تؤثر بها
لتجعلها تبرمج بهذا الشكل المعقد
أذكر أنك صمت قليلا . . وأخبرتني كما تريدين
ومضينا .. لم تثر بثوراتك المجنونة
حينها غضبت منك لأيام قليلة , وبعدها تابعت حبك أكثر
افترقنا .. ربما ذاك هو القرار الأنسب , ربما أفكاري الداخلية نطقته
ربما أفكاري عن موتي وكم ستحزن بسببي جعلتني أنطقه …
افترقنا لم يكن الأمر بتلك السهولة , لكن الألم الذي يرافق المرض جعل أفكاري مختلفة
كنت أحبك دون غيرتي المجنونة بك . ودون أن أبالي إن أحببت كل النساء أو عاشرت كل النساء أو حتى إن افترقنا ولم نعد يوما
كنا مترابطين روحيا , فلا زلت والد طفلتي , لازال شيء كبير يجمعنا

الآن .. مضى عامان ولازلت لليوم أرقبك من بعيد
وبشكل مختلف , أخبرتك كم هو غريب المرض وغريب الألم الذي يصحبه وما هو قادر على أن يفعله
لم أعد أملك الطفولة ذاتها لم أعد أبالي بكثير من الأشياء ,لم تعد الثياب والموضات هوسي , ما عدت أغارك كالمجانين ,لم أعد أحب المنافسة , لم أعد أجادل على القطعة الأخيرة من البسكويت ,
مضى عامان
كنت في كثير من الأحيان أتحدث عن الأمل كي لا يميتني اليأس ,
لم يتغير شيء , سوى أنّ ملامحي اختلفت بضع الشيء , اعتدت الألم , وكأنه طقوس خاصة أمارسها , لم أعد أخافه كما البداية
لم يتغير شيء , لكن السر لم يعد سرا تماما , علم به بعض الأشخاص رغما عن إرادتي
ورغم أني تضايقت بداية إلا أني شعرت براحة المشاركة وبأن أحد آخر يعلم , شخصا آخر قد ألجأ إليه
وسأصلي لربي ليسامحني على الألم الذي قد أسببه له
مضى عامان … و لم أمت حتى الآن !
ما قتلني حقا هو فراقك انت ..لم أكن أحسب أني سأعيش عمرا بعيدا عنك !
لم أفكر في هذا , كنت أعتقد أنّ الأمر لن يستغرق طويلا
مضى عامان وربما يمر آخران ..
وأنا في كل ليلة أفكر بك , وأفكر ما كان سيحدث لو بقينا معا ؟
كثيرا ما كان الجواب الذي يخطرني , لعلي كنت شفيت
منذ أيام , رفض طبيبي أن يخبرني كم يوما تبقى لدي
وأخبرني أنّ الأمل موجود , وأنّ علي أن أؤمن به
فشعرت بأني خنت الأمل على مدار عامين , وخنت حياتي قتلتها قبل أن تنتهي , خنتك وخنت كل من يحبني
هاهي النقطة في نهاية السطر سأضعها وألف رسالتي بشريط وردي – ذاك الذي أهدوني إياه في حملة لمكافحة المرض –
وأعطيها رسالتي إليك , وللملأ :

مريضة أنا و الأمل موجود ! لا تنفك تلك العبارة تتردد في رأسي وتغريني
غدا سأبدأ علاجي الكيماوي , وربما أخضع لعمل جراحي
حتى لو فقدت شعري , و ثديي , أنا أنثى في روحي
ليس فقط من أجلي , بل من أجل طفلتي التي من حقها أن تعيش ..

….
هذه القصة مستوحاة من قصة حقيقية
و مهداة للنساء المصابات بسرطان الثدي بدعوة للنضال وعدم الاستسلام : )

Advertisements