ذات سنين ضجرت هذه الشوارع من عيوني وأنا أبتلع ببلاهة أدنى تفاصيلها

و كأني أداعب الوهم في أمنياتي بأني إن نظرت بإمعان أكثر قد أراك هنا ,

وأغرسك شجرة دائمة الخضرة لأستظل بأغصان ذراعيك

وأحيانا كنت أخلق نظرية تجعلني أثق بأني إن مشيت بتأن أكثر قد أسمع وقع خطواتك على أرصفتها أو

صدى ضحكاتك يرتطم بجدرانها

وحين أفشل , كنت أنقض نظريتي السابقة و أفتعل أخرى مناقضة تجعلني أسير بعجلة كي ألحق طيفك الذي فاتني إلى حيث لا أدري

ولطالما كنت أعلم أني مهما بدلت مقاس خطوتي , مهما راقصت الجدران , واستحضرت الذكريات , لن أراك ,

وستبقى ” المسافات تنأى ما بيننا “

 

وبلحظة مزدوجة الزمن أطول من عمري كاملا وأسرع من أن أراها

أنبت الكبرياء بيننا عرائش الياسمين التي كنا نتغزل بها , أنبع البحار ومدّ السماء

لتطول المسافات أكثر .. وتضمر حدود يدينا ..

 

وفي لحظة أخرى كاللحظات التي تسأل نفسك بها ان كانت حقيقة أو خيال

لحظة كان علي أن أدعي فيها اللامبالاة .. في تلك اللحظة سمعت عن خبر زواجك بعد أقل من شهر

, كان كالصاعقة .. لكنها لم تصبني بالحزن وحده بل أصابتني بالغضب الذي خدّرحزني

غضب لا أدري من أين أتى .. ربما لأني لازلت في فترات الحداد , لازلت غارقة حتى عيني بالذكريات

مولعة بالأشواق .. كنت لازلت أرغب أحيانا بأن أمسك هاتفي وأتصل بك وندعي أن شيئا لم يكن

فهل يموت الحب ببعض الجنون والغباء؟

 

دارت عجلة الحياة .. فكان علينا أن نتسابق في النهوض والنسيان

تزوج كل منّــا ..

وكان ما يحدث معي شيء من اللانسيان المنسي .. !

كنت لا تشغل تفكيري , أحببت زوجي وأحبني ..

أحببت تفاصيله وكنت أصهر نفسي فيها

ولكنك كنت تعبر أفكاري إن جئت لأضمه .. أو إن أمسكت يده .. أو إن أحببته جدا !

كنت أعجب كيف تدخل بيننا وأنا حقا لا أفكر بك !

وحين لا تنسل لتفكيري , كنت من العدم تنسل لأحلامي ..

وكان ما يقلقني أني استيقظ سعيدة وأتمنى من الحلم ألا ينتهي ..

و لكن حين أصحو تماما .. كنت أقرفني

كنت أشعر أني خائنة .. كانت فكرة الخيانة تستحوذ أعماقي

خائنة لك بزواجي , وخائنة لزوجي باحتلالك أعماق أفكاري

وفي الحالتين لم يكن الأمر بيدي .. فلا أنت لي ولا أفكاري تحت سيطرتي

 

كنت أسأل نفسي كم هي الأيام التي تلزم كي تنسى شخصا ما ؟

مرت حتى الآن عشر سنوات ولازلت بومضات كطيف تعبرني ..بطعنة بطيئة لذيذة موجعة

 

.. اليوم أعبر هذه الشوارع من جديد , أبحث لزوجي عن هدية في عيد ميلاده

كنت أنظر إلى زجاج المحلات , وكأني لا أرى شيئا تجمد عيوني في نقطة المدى البعيدة على الزجاج .. وأشرد

أشرد في اللاشيء وفي كل شيء .. كنت أبحث عن الهدية المثالية

وفجأة لمع بريق في زجاج المحل أيقظ شرودي

كانت ساعة فضية .. أرقامها صغيرة وفيها دوائر لثلاثة تواقيت مختلفة

شعرت أنها مثلي .. تدور بلا هدى , كلما حاولت الوصول إلى شيء يعيدها الروتين إلى نقطة البدء

فكرت .. لعل أرقامها الصغيرة تنسينا الوقت , وأوقاتها المختلفة تجدد الروتين .. ولعلك أنت لا تجد مكانا شاغرا بها ..

شيء ما في تلك الساعة جذبني إليها .. فعزمت على شرائها

قبل أن أدخل رنّ هاتفي , إنه زوجي باسم , سيأتي ليقلني , كان علي أن أشتري الهدية قبل وصوله

دخلت إلى البائع على عجل , أشرت إلى الساعة الموجودة على الزجاج فلم أجدها !

خرجت أتأكد من جديد وعدت , وصفت له الساعة فأخبرني أن شخصا ما يجربها وأشار إلى الشخص

نظرت إلى نهاية اصبعه وتبعت المدى الى وجه الشخص ..

فقادني إليك !

ويحي لماذا أشعر برغبة في البكاء !

التقت أعيننا لثانية كنت أشعر فيها بالسعادة ةالخيانة معا , ما عدت قادرة على الكلام , وما كنت لأقبل أن ترى دمعاتي !

كيف أبقى غاضبة منك بعد كل تلك السنون .. لم أغفر لك بعد

كنت أفكر هل أقترب وأضمك .. أم أخبرك أني أشتاقك ؟

كانت شفاهي ترتعد بصمت وكأني إن نطقت بأي كلمة سينفجر الاشتياق بكاء

كنت تنظر إلي وكانك تقول شيئا ما .. وكنت أنظر إليك وكأني لا أعرف الاجابة

فتح باب المحل ..دخلت امرأة ورجل

زوجي .. وزوجتك

أنا شعرت كمن ضبط وهو يمارس الخيانة .

دارت في ذاكرتي بقايا الذكريات

من البائع ذاته اشنريت لك عقدا فضي , في ذات الحارة كنا نحلم بالسير لقطف الياسمين

تذكرت يوم زفافي , زوجي العطوف باسم , رائحته , رائحتك , أذكر كيف نستني ! .

أذكر كم أكرهك , لا بل كم أحبك , لا بل كم أحب باسم , أذكر ان ولائي لباسم , لا بل ولائي لك

أدرك أني بحالة رثة اليوم , أفكر بالساعة , أنساها ,

انتهت الثانية .. وحينها ادركت كم تتسع الثانية من أفكار .

 

أدركت أني أخون باسم .. وبأني بكل غباء أعتقد أني أخونك ..

لكني لأول مرّة أدرك أني لم أكن أخون إلا ذاتي بكما !

كيف لم أدرك قبلا ..

لم أنظر إليك , ولم أودع باسم ..

و خرجت بخطى ثابتة و بنفس فيه عبق الحرية وبعين دامعة باتجاه لحظة الوفاء..

 

 

تمت في شباط 2010

 …..

* هذه القصة مستوحاة من قصة حقيقة روتها لي إحدى صديقاتي لكنها مختلفة في التفاصيل والنهاية ..

أهديها لها 🙂

Advertisements