لنفرض أن أحد أبنائك ” لا قدّر الله ” مصاب بفشل كلوي ويحتاج إلى متبرع ..

وأن شخصا آخر  ينتظر أيضا وحالته أشد استعجالا من حالة  ابنك  للحصول على تلك الكلية

فإن جاء متبرع ليقدم لك كلية ويضع الخيار بين يديك لمن تريد أن  تقدمها

فهل ستكون موضوعي  وتدرك أن حالة الغريب أشد احتياجا من حالة ابنك وتقدمها له .

 وتضع ابنك في حالة مخاطرة باحتمال عدم حصوله على كلية ؟

لا أعتقد ذلك ..

لنفرض من جديد  أنك انسان تؤيد الموضوعية وتحب التصرف بها وتكره الانحياز اللامنطقي للقضايا

كنت أصف نفسي بهذه الصفة قبل لحظة تجلي الحقائق أمام ذاتي

مثلا : أنا أؤمن في حرية الأشخاص باعتقاداتهم الدينية والفكرية وبالتصرف في حريتهم داموا لا يؤذون الغير

ولكني في الوقت نفسه انطلاقا من إيماني ومن تحريم بعض الأمور لا أستطيع أن أنصر حقوق الشواذ في العيش كما يحلو لهم !

وبمثال آخر أشد تناقضا , منذ قيام الحصار على غزة من قبل اسرائيل ومن قبل الرئيس حسني مبارك

 لم أعد قادرة على متابعة الفن المصري في التلفاز أو السينما وباتت نفسي لا تتقبله

مع اني أعلم أن ليس كل الفنانين المصرين مؤيدين لهذه المواقف وبأنه يجب ألا يحمل أحدا وزر أحد آخر

ولكن الأمر كأنه خارج عن الارادة .. وفعلا لا أقوى أن أكون موضوعية في قضية بسيطة كهذه ..

وبمثال يتكرر باستمرار لطالما قد نؤيد الأشخاص الذين نحبهم وقد نغفر لهم أشياء غير قادرين على أن نغفرها لغيرهم ..

 ودوما لا نستطيع أن نحاكمهم بموضوعية

والأمثلة تتكرر كثيرا في حياتنا ..  ولعل أثقل الأمور التي قد تطلب منا هي أن نكون موضوعيين في قضية ما عندما نكون متورطين ذاتيا في تلك القضية

وتزداد لاموضوعيتنا كلما ارتبطنا أكثر بتلك القضايا ,

ربما تكون الموضوعية هي الاختيار الصائب في معظم الحالات , ولكن لا يوجد انسان  قادر ألا يخطئ على الاطلاق

الحياة مليئة بالتناقضات بين ما نؤمن وما نرغب و ما نحيا ,وما نعتقد أنه منطقي , وبين مشاعرنا وتشابكنا مع البشر ..

ولعل  الذاتية والموضوعية تتناقضان منذ الأزل

 إن تكرار المواقف اليومي الذي أتعرض له وأنا أعتقد أني انسانة موضوعية جعل الحقيقة تنجلي أمامي اليوم

وورغم أن وزر اللاموضوعية و الازدواجية يؤنبني , لكن وزر النفاق  سيؤنبني أكثر

فلا بأس بأن نعترف بـ “لا موضوعيتنا ” عوضا عن الادعاء ورفع الشعارات

ولأن وصف شخص ما بأنه صادق وكاذب معا غير ممكن

لا يمكن لأحد أن يكون موضوعي وغير موضوعي معا  , أو موضوعي مع استثناءات , أو موضوعي ازدواجي

وذلك من مبدأ ” نكون أو لانكون “

سأعترف بأني لاموضوعية  وأنا على يقين بأن لا إنسان قادر على أن يكون موضوعي حسب مفهوم الموضوعية المطلقة

وذلك دون أن أجدها تهمة لا تغتفر  فانسانيتنا وبشريتنا قادرة أن تغفر لنا ذلك ..

Advertisements