ملاحظة للبدء :  الأحداث قصة حقيقة ,قد تتشابه الأسماء فيها مع الواقع وقد تختلف , لا يهم , فلا أحد يبحث  هنا !

 

-1-

(( شوارع ))

 

لا نستطيع أن نتجاهل أننا ” أبناء شوارع ” أبناء الشوارع التي ترعرعنا بها .

ومن هنا تنبع تلك الأمنية  التي أتلوها كل صباح :

ليت الشوارع  , حين تُنسى ,  تُنسى وحدها .. ولكن النسيان حيت يأتي يأبى إلا أن  يحمل معه أُناسها

 وتفاصيل حياةكاملة تعبث داخلها .

 

أعود من عملي , أسير في الطرقات  وأنا أشعر أنها تبصقني ..

تبصق تعلمي , وعملي , وملابسي , ورفاقي , وكل أفكاري ..

لست أنتمي لهنا ..

أرفض ما حولي , وما حولي يرفضني , ويأبى القدر إلا أن يجمعنا في مكان واحد !

هنا في حارتنا ..

حيث النظرات تعريني حتى من ذاتي ..

 هنا أكره فصل الشتاء لأن الأمطار تكاد تُغرق ما حولها

و المزيج الطيني الذي يكسي الطرقات يكاد يأخذ ما تبقى من الحذاء , والرطوبة تكاد تفتت الجدران ..

وأكره فصل الصيف , فجميعنا نعلم المزيج الحَشَري المتأتي من الحر وأكياس القمامة

ولو أني كما أهالي حارتنا لا أملك عملا يخرجني من هنا  لما لاحظت مرور الخريف أو الربيع !..

ورغم تذمري الدائم من  اعوجاج الطرقات , أو انعدام الرصيف , أو كثرة المطبات والحفر

ومن  الروائح المنبعثة من المجارير أو القمامة , والأصوات والضجيج , والمشاهد والفوضى  ..

والأطفال التي تسير بلا ملابس تقريبا وتلعب بالطين والحجارة ..

إلا أني أعلم أن  تذمري هذا ليس إلا ” فشة خلق ” أستطيع البوح بها عاليا

وتبقى من الشكاوي التي استهلكت  الصحف , والبلديات , وبعض المنابر الخافتة ..

و أعلم ..  أن كل هذا يبقى ” شارع ” ويبقى , نوعا ما ,في قشور الحدث العشوائي الذي يعتري كل ما حولي ..

ويبقى ما هو داخل الجدران أشد ألما مما هو خارجه ..

فلو أنك لا تعلم ” صدفة ” أحدا من تلك البقعة لظننت كل شيء يقال مبالغة وافتراء

 ولكنت بقيت فرحا بمعدلات الفقر التي تنخفض وبنسبة التعليم التي ترتفع !!

هنا الحياة بتفاصيلها ..  تبقى محصورة في هذه البقعة المسوّرة التي لا يسمعها احد !

 

-2-

((نساء بلا رجال ))

 

هنا في حارتنا ..

مهما علمت عن الفقر تفاجئ أنك لا تعلم شيئا , ومهما علمت عن الجهل تفاجئ أنك لا تعلم أيضا !

 اغلب النساء هنا مكممات .. من الخارج بثياب سوداء لا تنفذ منها إلا العيون ,

 ومن الداخل بقيود الخوف والعادة والحرام والضلع القاصر !

وعلى الرغم من هذا .. يبرع الرجال بفتح ثقوب للكمامات حين يشاؤون

ورغم التخلف الجم هنا الرجال مثقفون بسياسة الازدواجية

حيث أن أغلب نساء حارتنا عاملات !

يسمح لهن الدخول والخروج ومحادثة الرجال أثناء العمل فقط

عاملات بلا شهادة , ومتزوجات برجال الصوت العالي واليد الطويلة والعطالة !

 

هناك أم رأفت تجوب المدن والبنايات العالية ” لتنظيف الدرج ” وإعالة زوجها المريض بتشمع الكبد !

ولا تأخذ أجرتها إلا بعد ما يشبه الشحادة من حرص أهالي البنايات السكنية ..

 

هناك أم هاني شابة جميلة لديها أربعة أطفال , متزوجة برجل لا يشبه فارس أحلامها كما كانت تخبرني

كلما كانت تأتي لتساعدني في ” التنظيف والتعزيل “

دوما تنظر في يديها بين التشققات التي خلفتها مساحيق التنظيف وتخبرني وكأنها تقرأ الكف ..

ليس فارس أحلامي وتستدرك نفسها ولكن الأحلام ليست من حقي !

كنت أتنهد .. وأنا اعلم أن الوضع لا فرار منه ..

 

أما دلال فكانت مشكلتها أنها لا تعمل !

وزوجها يابى أن يعيلها بعد أن رفضت مشاركته السرير لأسباب لا احد يعلمها ..

 ولا مكان آخر تذهب إليه ولا منزل تقصده بعد أن رفضها إخوتها  بتهمة الفجور

ومنعت أخواتها من إيوائها حرصا على ” سمعة رجال العيلة ” .

عائدة من عملي كعادتي

تطل جارتنا صفاء مثقلة بأكياس سوداء كبيرة وتقترب بصوتها العالي

–         السلام عليكم

–         أهلا صفاء كيف حالك ؟

–         حالي على حاله ( وتضحك ) وتتابع

–         “وصلتني بضاعة جديدة , مابدك تشوفيها ؟”

–         ” حضري القهوة , وبلحقك “

كانت صفاء شابة خفيفة الظل تبيع الثياب المهرّبة لتعيل أطفالها ,

صفاء لديها رجل , لكنه لا يملك من الرجولة إلا حروفها البالية

تزوج بأخرى وأنجب الأطفال

وحتى حين تذهب صفاء  لدار ” حفظ النعمة ” للاحسان ويعطونها بعض الثياب لاطفالها وبعض الاطعمة

يتسلل ليلا كاللص ويأخذ الصدقات لزوجته الأخرى

لتستيقظ صفاء ولا تجد شيئا في الخزائن او البراد

ودوما ينتهي سؤالها وسخطها بعلام اصابعه وحبّات مسبحته على وجهها ..

وباستغفاراته التي يعلو صداها في حارتنا ..

 

كانت صفاء تسوق للملابس بدعاية باهرة

 ” هذا الثوب من بيروت وهذا من  تركيا  “

وتخرج الثياب وتعيد طيها عشرات المرات في اليوم وتسير من منزل لآخر مع أصغر أطفالها الخمسة

اخترت قميصا ما من صفاء

–         كم سعره صفاء ؟

–         ” بحسبلك ياه بـ 325 والله بالجملة بـ 300″

كنت أضحك وأبكي معا على طيبة صفاء وبساطتها

أخبرتني والفرح يخرج من حنجرتها

– ” أجا عريس لأختي نجوى “

– عريس ؟

– ” أي هي بدها وأهلي ما عندهم مانع , بعدين الله يسلّك دربها ودرب أخواتها ,

أبي كبير ياليلى بتعرفي وما عد حملهم “

– الله يوفقها ..

قلتها بغصة فقد كنت أعلم أن نجوى تبلغ السابعة عشرة من عمرها  أكملت تعليمها الابتدائي فقط كأغلب الفتيات هنا

والعريس في حدود الثلاثين  ..

   خرجت صفاء .. وترك صوت إغلاق الباب دويّا في أذني 

جعلني أغمض عيني وأتذكر عرس البارحة والعروس ” ريم ” طفلة الثلاثة عشرة عاما التي نزعت منها أمها دميتها وزوجتها ..!

وشعرت بالارهاق من واقع دائري لا يتوقف عن التكرار ..

ومن عجز يقيده العجز ..

 

 

 

-3-

( ( نسبية ))

لم أقدر يوما أن أفسر  انتمائي إلى حيث لا انتمي !

 

رغم نكراني لحارتنا

فأنا أحبها , أحب أناسها الذين لا أحبهم !

أحب طرقاتها وشوارعها وجدرانها التي أتذمر منها ..

 

تطل صفاء كعادتها بأكياسها السوداء لمنزلي

أشعر بغصة في حلقها ..

             ما بك ؟

– “نجوى .. حردانة “

نجوى لم تزل في شهر عسلها كما يقال !

لم أعطي الموضوع الكثير من الأهمية .. فنساء حارتنا ” تترك منازلها اكثر ما تبقى بها “

اعتقدت انه امر طبيعي ..

–         لا بأس .. بكرا تتحسن الأمور

–         القصة كبيرة ..

–         شو صار ؟

وروت لي صفاء القصة ,..

قصة كتلك التي لا نستطيع مهما حاولنا تصديقها ..

زوج نجوى متزوج من اخرى  !

زوج نجوى يمارس معها ممارسات جسدية لا أخلاقية .

زوج نجوى  مهد الطريق لـ ” معلمه ” المسؤول الكبير  كي يغتصبها

زوج نجوى جعلها تعتاد  ” الحشيش ” و ” الخمر “

زوج نجوى يدرس شريعة في الجامعة !

 

وبقيت أيامــا بعد قصة نجوى .. طفلة السابعة عشر ..

أفكر كم عمرا عاشت نجوى في شهر واحد ..

وتعلمت كم هو نسبي مفهوم الزمن .. لكنه دوما في حارتنا يميل في نسبيته لأن يكون أطول وأضيق !

 

 

-4-

(( خارج النسيان ))

 

ليس صحيحا ان بعض القصص خير لها أن تبقى مدفونة بالنسيان  كي يحمي كبرياءها من الفضيحة !

حين يراق الكبرياء دفاعا عن الكبرياء ..

وحين يتحيط بنا الفضيحة خوفا من الفضيحة

حينها .. تبا للكبرياء .. وتبا للفضيحة .. وتبا للنسيان !

 

جميع نسائنا  يابون البوح دفاعا عن مظاهر بالية.. وان واتتهم لحظة شجاعة للبوح .. لا أحد ينتظر كلماتهم 

أم رأفت لازلت تعمل من اجل زوجها المريض وأصبحت تأخذ ابنتها الصغيرة معها كي تساعدها في التنظيف ..

أم هاني وجدت عشيقا يحقق طموح” فارس الأحلام ”  ولازالت تعمل  ولكن نقودها الآن تقسم على اثنين

ريم .. طفلة في الرابعة عشر من عمرها حامل بطفلها الأول

توفيت دلال .. من الجوع  ! دون أن توجه جريمة لزوجها ..

صفاء .. حامل الآن بطفلها السادس ..

نجوى  .. جاء زوجها وترك قرب باب منزل اهلها صناديق من الفاكهة والخضار وصحنين بيض وخبز  ..

فارتأى أهلها ” أن البنت لا تملك إلا  بيت زوجها “

ما أمر الشوق للخبز .. ما أمر الشوق للحلم .. وما أمر العجز !

 

في حارتنا ..

للقصص مقومات أخرى

القصص لا تنتهي..

وتبقى .. تدور وتدور وتدور ..

ولا يوقفها احد … إلا النسيان ..

 

 

Advertisements