هو يمر في الساعة الخامسة قرب شجرة الليمون , يجلس على المقعد الخشبي في ظلها .

وانا في الساعة الخامسة أشتاق لشجر الليمون , يتعبني اشتياقي فأحط رحالي على ذات المقعد الخشبي .

نحن نمتلك هذا الموعد القدسي دون اتفاق مسبق , ودون وعود باللقاء غدا ..

نفتعلها وعودنا وكأنها صدفة موقوتة بدقة , مدبرة بلهفات العيون ..

حين ينتهي لقاؤنا .. أسير وعبق الليمون في أنفاسي .. لا أذكر كيف قضيت وقتي معه ..

فذاك المقعد أشبه بفقاعة تفصلني عن عالم البشر ..

تفصلني عن الأمراض والحروب , تفصلني عن أحزاني .. عمن فقدت وعمن سأفقد!

تفصلني عن أي يأس قد تولده الحياة يوما , تقصلني عن كل خيباتي ..

فحين أخرج من تلك الفقاعة وأعود بشرية ,

لا أجد من بقايا ذاكرتي إلا ابتسامة على شفتهي تخبرني أني في تلك الفقاعة اختبرت سعادة ملائكية

أحيانا .. أخرج من فقاعتي بأوراق ملونة .. بكلمات كثيرة كلها تخبرني برسالة واحدة انه يحبني حد اللاعودة !

وأحيانا .. أخرج بحفنة من ياسمين ينثرها من حولي كلما رآني ..

أذكر أنه أخبرني أخر مرة رأيته :         

_ شمس ! أريد أن أهديك وشاحا في ذكرانا الأولى , لكني لا أملك إلا شجرة ياسمين !

ضحكت بشقاوة ونظرت في عينيه ..

_ نضال ! إذن اغزل لي وشاحا من ياسمين ..

 في المساء قرب نافذتي ..لطالما راقبت الياسمين ورسائله ..

ابتلع كلماتها , أنحني مع ميلان حروفها , أستنشق علامات ترقيمها ..

وفي كل مرة تمنحني سعادة أكبر , وأملا أوسع ..

 

منذ أشهر لم يأتِ  !

سكنت ذاك المقعد في كل زواياه .. ونظرت طويلا في مكانه .. ولم أره !

بحثت عنه , تحت ظلال كل أشجار الليمون التي أعرفها .. ولا أعرفها

وكيف .. كيف لم أعد أستطع ان أجد نبتته بين نبتات ياسمين بلادي ؟!

أرسلت برقيات استغاثة إلى عنوانه الذي لا أعرفه !

كيف ؟ كيف أصبح الآن أهمية لعنوانه , لاسمه , لتاريخ ميلاده …؟

كم هو مرعب أن يختفي  إنسان من حياتك , ويضحي سرابا .. ولا تعلم كيف ولا إلى أين ..

كم هو مرعب أن أجوب الطرقات ليالٍ طويلة علي أجده وأنا أتأمل الوجوه .. فتمتزج الملامح في عيوني . ويختلط البشر ويصبحون سواء ..

ولا أجد نضال .. ومهما بحثت لا أجد الوشاح الذي أهداني  ..

 

فأهرع إلى رسائله .. أفتح الأوراق فأجدها فارغة من الكلمات !

كم هو مرعب أن ترحل الكلمات برحيل أصحابها …

كم هو مرعب أن أصل لنتيجة واحدة .. أنه لم يكن موجودا منذ البداية .. وأني أنا من خلقته  في أفكاري

لأعيش وهما  اسمه نضال  ..

 

 

 

Advertisements