حسين غرير, عام من الأمل

hussein
أحاول أن أرتب الجمل في الكتابة عنك, فلا أجيد إلا الكتابة إليك..
وتطغى رغبتي في أن أكتب لك “اشتقتلك” التي كنت أحاول تأجيلها للأسطر اللاحقة , على كل الكلمات المنطقية الأخرى..
اشتقتلك يا صديق ! اشتقتلك أبو ورد..
مضى عام يا صديقي ..
أحاول فيه أن أضع نفسي مكانك,
كيف تقضي الأيام.؟ كيف تتغلب على اشتياقك لكل التفاصيل, لعائلتك , لطفليك.
كيف لونت التفاصيل من حولك لينبت فيهاالأمل؟ كيف تكتب؟ كيف أقلمت ماحولك لتكون ما أنت عليه ؟
كيف تصل لك الأخبار؟ في كل مستجد في سورية كنت اتساءل ماهو رأيك ما هو موقفك؟ كنت استشيرك وأبوح لك في كل شيء ..
يكذب من يقول أنه عام من الغياب على أصدقائك وأهلك.. لم تغب أبدا إنه فقط عام من الاشتياق..
عام من الغضب, كيف تكون أنت في المعتقل منذ عام وسورية تحتاجك؟ كيف “لانسان ” مثلك, كلماته سلام وأمل وحرية كيف يكون في المعتقل وكل المجرمين والمفسدين في خارجه, كلهم؟

وكلما فكرت فيك.. وفكرت في كل التفاصيل .. كنت أخشى أنّ الأمل الذي كنت تزرعه في كل من حولك, في كل كلماتك قد نال منه التعب,
وما أن قرأت كلماتك التي أرسلتها إلى أختك مها بعد استشهاد زوجها مصطفى حين كتبت ” .
مها .. سوف أكمل يومي هذا حزناً و غداً في الصباح مع إشراقة شمس يوم جديد
سوف استحم و أحلق ذقني و أبدأ درب وفائي لعهدي فهل تفعلين؟”
ضحكت من نفسي طويلا كيف أشك في الأمل الذي في نفسك؟ وترسخ الأمل أكثر في قلبي ..
عام من الاعتقال مهما بلغ من جبروت لم يسلبك سلاحيك الوحيدين. لم يسلبك الأمل .ولا حرية القلم..
.
بعد خروجك من اعتقالك الأول أخبرتني أن همك الأكبر وأنت في المعتقل, كان عائلتك, وسورية
كان خوفك أن تكون مقصرا تجاههما
عائلتك سورية فخورين بك ومثلنا في انتظارك

الحرية للمدون السوري حسين غرير
المعتقل في 16 شباط 2011

على طاولة الحوار (قصة قصيرة)

198646_352398251517472_155529047_n

أنتظرك هنا على المفرق ..

في انتظارك أتأمل كل التفاصيل, عدد حجارة الرصيف, الواجهات الزجاجية للمحال,

المارة, أشيح نظري عن عيونهم خجلا .. علّ انشغالي بها  تلك التفاصيل يجعل وقت انتظارك أقصر

.رجل عجوز يستند على عكازه, برققته شاب

العجوز يصر على أن يسير وحده تماما, وقفته غير متزنة جسده بكامله يميل للخلف يثبته بالعكاز قبل أن يهوي

 كل خطوة من خطواته لا تتجاوز  بضعة سنتمترات, لازال الشاب يصر على مجاورته

حين وصلت لانتظارك , لم بكن في الشارع.. أصبح في أوله .. هو الآن بقربي.. تجاوزني وابتعد!.

كل هذا الوقت انتظرتك ! كل هذه الخطوات العجوزة !

بمثل اصراره وبمثل خوف الشاب عليه .. أنتظرك

وبعد لحظات يرن هاتفي رنته الناعمة.. رسالة منك.. باعتذار شديد ومتأخر عن الموعد

عدم رؤيتك يسبب خيبة في داخلي, خيبة الانتظار الذي لايسقى

وفرح آخر للقاء آخر سيحدث وسأعيد فيه متعة انتظارك !

متعة أن أجهز نفسي للقائك, أن أجهز ثيابي, كحلتي, أحمر شفاهي, متعة أن تسيطر علي لهفتي وتسبقني إليك..

هذه اللهفة التي تشعرني أني على قيد الأمل..

………

أسير في الشوارع, كيف لكل التفاصيل التي لم أرها سابقا أن تقودني إليك؟

كيف تقربني كل الخطوات في دمشق منك؟
كيف تكون الأرض الحجرية في باب توما قطعة من ساعدك..؟
ومقاهي ساروجة تتكئ عشوائيا على خدودك؟
كيف تكون بسطات شارع الثورة نقشة في قميصك؟
والازدحام والوحشة في الشوارع كمجيئك وغيابك؟
كيف يوصل مطر دمشق الى عيونك؟
وكيف تصبح شفاهك ككل اوراق الشجر تلتقط منها حمامات دمشق الندى؟
وكيف يكون ضجيج دمشق كصوت نبضك؟
ولم رحيلك انت بوجع الغربة عن دمشق.
لم بكاؤك كحزن كل الوطن؟.
بارد موحش ويختنق..؟

….

لا أدي كيف أوصلتني خطواتي إلى طاولة في مقهى دمشقي ..

كان هناك بضع أصدقاء, وشباب ورجال لا أعرفهم ..

جلست على الطاولة , رائحة الدخان تملأ كل شيء, وضبابه يعبر العيون..

دخانك على الطاولة! تذكرتك!.. طغت رائحتك على كل شيء ونبت التبغ مجنونا على جسدي..

–          كيف حالك؟ لم نتعرف بعد..

قاطع الصوت إقامتي في العالم الذي أخاطبك به باستمرار

–          بخير, أنا ندى

دردشت قليلا مع الأصدقاء تعرفت إلى الموجودين بأسمائهم.. ودخلت صمت الإصغاء

ودخل النقاش احتدامه.. صوت معتق يبرز:

–          اليسار في سورية يعمل على تعزبز عمله, كل ما يحدث اليوم هو ثورة لرغيف الخبز.. رغيف الخبز جزء لا يتجزأ من الكرامة, من الحرية..

صوت خافت يجيب:

–          ما يحدث اليوم هو ثورة حرية وفقط يا أستاذي…ثورة حتى بسلاحها كان غاندي ليقدسها..

يقاطعه صوت أجش

–          هذا النظام الفاشي جعلها ثورة بنزين ومازوت وكهرباء أيضا ويضحك

صوت متزن يتكلم بهدوء:

–          نحن نسعى للحشد, حشد كل الشباب..

يضرب أحد الموجودين بضربة قوية على الطاولة ويصيح متكبرا:

–          ألا زلتم تسمونها ثورة ؟ انها الاجرام بكل ما تجسد من قوى .. يبدو أن لا نقاط أساسية لنتشارك في الحديث

ويقف بحركة واحدة دون أن ينظر لأحد..

يعود الصوت الأجش

–          ثورة رغم أنف نظامك ..

علت الأصوات, محاولات تهدئة من هنا, محاولات سخرية من هناك.. محاولات تدعو لخفض الصوت..

شعرت أني على طاولة حوار تلك التي ما توقفوا عن الحديث عنها وعن السعي لإقامتها وعن متطلباتها ومؤتمراتها

فجأة قطعت الكهرباء في المقهى ..

بدأ إشعال الشموع على كل الطاولات..

هل أخبرتك أن الشموع تذكرني بك؟, يوم أحببتك وأهديتني شمعة حمراء.. بقيت لدي أعوام دون أن أجرؤ على إشعالها .. وفي ليلة تحديت أنت فيها جنوني.. وحاولت مرارا تعليمي أن أستمتع بلحظتي’ أشعلت الشمعة ..

وحين أصبحت انا قادرة على إشعال شمعة, أصبحت أنت أكثر قدرة على تأجيل مواعيدنا!

حل صمت على الطاولة.. كسره الصوت نفسه الذي قاطع خلوتي بك في المرة الأولى وسألني

–          وأنتِ يا شابة؟ لم تشاركينا الحديث, ما رأيك؟

سرحت  بذاك اليساري الذي لازال يستخدم المصطلحات البرجوازية ويبني النظريات ويحدثني باللغة العربية الفصحى, ذاك العالق بين صفحات كتب كارل ماركس, وفكرت بذاك الذي يصف الكلمات المنمقة بين غاندي والسلاح , والآخر الذي مر عامان ولم يعرف بعد كيف يجمع الحشد. وبالاثنين  المتطرفين بأصواتهم العالية ثورة اجرام ونظام فاشي..

ربما لا أحد من هؤلاء سيء.. لكنهم بعيدون جدا عن الواقع وحتى عن الحلم!

سرحت طويلا طويلا , بصديقي المعتقل منذ عام ..بابتسامته.. بأصدقائه المبتسمين جميعا خلف القضبان

بكل كلمة نبيلة كتبها, بكل خطوة طاهرة للحرية مشيها.. بأنه هو في المعتقل وكل المجرمين خارجه!!

وخطر ببالي فجأة رسامي الكاريكتير الشباب, حيطان سراقب, مظاهرات في حلب

حملات توعية يقودها شباب, حملات إغاثة لا ينام شبابها.. مقالات وابداعات بطهارة التراب في بلادي

خطر ببالي سوق الحمدية, والكف التي احتضنتها هناك خوفا ..وشددتها حتى آلمتها

خطر ببالي ” الشعب السوري ما بينذل”

خطرت ببالي الحناجر كلها..

لم ليست هذه العناوين التي تتصدر أخبارنا؟

لم لسنا قادة المعركة.؟

سرحت طويلا طويلا.. بكل شهيد ..بكل ثكلى, بكل يتيم ..

غبت في كل طفل عاري القدمين في شوارع بلدي, في كل طفولة مشوهة  محرومة حتى ألعابها ( جيش وجيش حر)

غبت في الفقر, في الذل , في المجازر, في الطائفية, في الدمع ..  في الحجر في البشر في الذكريات ..

عبرت في رأسي في كل عين رأيتها لطفل, لشهيد, لام, لنازح, لمهجر .. آه.. ما أقسى العيون الحزينة!

خطر ببالي كل شباب بلادي بآرائهم المختلفة .. بحبهم لسورية

وتذكرتك..

وعاد ليسألني

–          يا شابة !  لم تجيبي ماذا فعلت في هذين العامين.لهذا البلد؟

فكرت .. هل سيفهم إن أخبرته؟

لازال ينتظر الجواب.. جاء جوابي هادئا

–          لقد أحببت في هذا البلد.. قصة حب أسطورية ..

صمتوا جميعا ..

أراقب نظراتهم لي كمراهقة لا تفهم في السياسة .. ولا تفهم كيف تدير شؤون البلد..

أمتعتني النظرة كثيرا

عادت الكهرباء .. تسارعوا لإطفاء الشمعة .. اعتذرت وهممت بالرحيل..

أتعلم؟ كان أروع ما قمت به أني أحببت في هذا البلد..

لقد ناضلت لأنشر حبا في هذا البلد, لأكتب قصيدة في زحمة مقالات السياسة والتحليلات, لأعانقك على صدى الرصاص, لأثبت أن الحب أقوى من الاختلاف, أن الحب لن يموت في دمشق ..

جئت أو اعتذرت.. أحببتك في سبيل الوطن..

مشاهد دمشقية مستفزة

1

المنتخب السوري يفوز بالمباراة : يبدأ إطلاق الرصاص لأكثر من نصف ساعة

ليلة رأس السنة الجديدة: يبدأ إطلاق النار لأكثر من نصف ساعة

“خطاب الرئيس” : يبدأ إطلاق النار لأكثر من نصف ساعة

باص أمن يحاول تنظيم السير !! بإطلاق النار في الهواء وتهديد المارة

ازدحام في الكازية: عناصر الأمن تطلق النار في الهواء

ناقلة جنود تعبر اوتستراد مزدحم: يطلق جنودها النار في الهواء لفتح الطريق !!

!!!..

دعوني من الصراع المسلح الدائر في سوريا  دعوني من  العصابات الارهابية  والاجرام القائم وجبهة النصرة والجيوش جميعا.. استخدام السلاح بهذه البساطة جريمة النظام هو المسؤول عنها , حين يصبح السلاح وذخيرته لتهديد المدنين او للتسلية والتخويف..

……..

2

أزمة السير في دمشق

كان الوضع شوارع مغلقة بشكل كامل, وشوارع مزدحمة دون مجال للحركة فيها

اليوم لم يكن هناك ازدحام في أي من شوارع دمشق, لا يوجد إلا القليل من السيارات في الشوارع

بسبب أزمة البنزين والمازوت قلة هي السيارات التي مشت اليوم في دمشق..

معادلة دائرية مفرغة تعبر الطريق: سائق التكسي يحتاج المزيد من النقود وكذلك سائق السرفيس حججهم منطقية: ارتقاع اسعار البنزين والمازوت والساعات الطويلة التي يقفونها على الكازيات للتعبئة والتي تتجاوز الست ساعات.., ومن جهة أخرى أنا المواطن الذي ليس من العدل أن أدفع مئة ليرة سورية من أجل بضعة أمتار..

معادلة مفرغة تماما تدور لالتهامنا..

…..

3

سيارات بلا نمر تستعرض عضلاتها في الشوارع

عودة موضة الدراجات النارية . وأيضا تستعرض عضلاتها في الشوارع..

……..

4

أجمل شيء في شارع الثورة في دمشق هي ” البسطات ” التي تعكس حالنا بمنتهى الوضوح..

البسطة في شارع الثورة تغنيك عن سماع الأخبار, أو التصريحات ..

يتصدر المنتجات على البسطات اليوم ” فانوس الكاز”

فالكهرباء كالماء كالبنزين كالمازوت كالبرد كالاستغلال ..جزء من الصراع الدائر

……….

محي الدين, ما أقوى الرصاصة!

منذ عام والقليل, تعرفت بذاك الشاب “محي الدين” ,
كان قصة تعرفي به تتعلق بمرضه فهو يحتاج لعملية مستعجلة في القلب, ولا يمتلك المال لذلك..
هذا ما سمعته عنه ..
من هنا تعرفت عليه , شاب في الثالثة والعشرين من عمره, يتيم الأم, لأب لديه إعاقة جسدية تمنعه من العمل..
الأكبر بين أخوته ويعيلهم ..
في البدء, أصابني الوجع لقصته.. وبعدها لمت نفسي لأني حصرت هذا الانسان فقط بهذه القصة..
أخلاقه وإصراره على الحياة جعلاني أرى الانسان فيه.. دون أن أراه بعد!
تابعت تطورات قصته يوما بعد يوم..
جمعية خيرية تبرعت له بالعملية, طبيب تنازل عن أجوره…
وبعد فحص طبي ومفاوضات .. خضع محي الدين لعملية في صمامات القلب ..
ونجحت العملية..
ولم أعد أسمع شيئا عنه ..

منذ شهر تقريبا ..سمعت أن محي الدين فارق الحياة..
عندما غابت الشمس وأصبح كل ما يتحرك هدف .. كان محي الدين هو هدف القناص ..
أخبرنا الجيران أنهم رأوه من النوافذ عندما أصيب , وقع على الأرض قبل أن يفارق الحياة,
لا أحد امتلك الجرأة على الاقتراب لإسعافه.. بقي عدة دقائق ثم مات..

محي الدين بالنسبة لي كان قصة انسان أعرف كل تفاصيلها, أعرف القليل عن طباعه من أصدقائه, لم أره إلا عندما توفي, رأيت صورته على إحدى صفحات الانترنت والدماء تغطيه..
كان محي الدين سعيدا لأنه استطاع أن يعود للحياة من جديد, كان يعيد رسم أحلامه وأمانيه ممتنا للحياة.. ..
وكيف سرقت منه الحياة والأحلام والأماني وكل النضال للبقاء..

فكرت .. كم “محي الدين ” أصبح في بلدي؟
كم حلما قتل ؟ وكم نضال للحياة صار بحجم الرصاصة؟
ما أقوى الرصاصة!
حين نمتلك من الإصرار ما يكفي لنحارب الفقر, والألم..
حين نمتلك من القوة لنحول كل صعوبة لأمل في الحياة..
كل القوة التي نملكها.. لا تساوي رصاصة قناص..

…….
التدوينة منشورة في موقع صفحات سورية في ملف تحية للشهداء:
http://syria.alsafahat.net/?p=31274

مشاهد دمشقية

مشهد اول:
لا احد الا السوري سيفهم ازدهار سوق الخجا.. سوق الحقائب في دمشق.. وتعدد اشكالها واحجامها وتصاميمها
لا احد الا السوري سيفهم الوجع حين يرى شخصا يحمل حقيبة في الشارع.. أو يمسك كيس..
فالحقيبة والكيس رمز نزوحنا..
فقط السوري سيفهم جملة(هاالشنتا ماعم توسع شي.. غراضي فيها ضايعين)
ان اتسعت الحقيبة لكل ثيابي.. هل ستتسع لكل اوراقي وذكرياتي .. هل ستحمل بين طياتها استقراري؟
صدقت درويش: “وطني ليس حقيبة.. وانا لست مسافر”
……
مشهد ثاني
في الشارع شاب ذو بنية قوية يسير يخطى غير هادفة, ويبكي دون اكتفاء..
تأملته بوجع..
ربما لايبكي للاسباب التي في رأسي..
خطر لي انه فقد طفلا او اما او حبيبة..
خطر لي انه فقد منزلا..
خطر لي الوجع السوري كله في عينيه..
ربما هو لا يبكي لاي من هذا.. ولكن من سيخرج هذه الافكار الموجعة من رؤوسنا كي لانراها في عينيه؟
… 
مشهد ثالث:
.
مجرد مشهد طبيعي متكرر في الشوارع.. سيارة ذو نمرة مطلية بالاسود او بلا نمرة تعبر قرب الحواجز وقرب شرطة المرور

…..
مشهد رابع
فعلا الوقت مفهوم نسبي..
ان تقطع الطريق من المزة لباب توما بساعتين من الزمن
وان تصل من دمشق للنبك بالوقت نفسه او اقل..
دمشق واوجاعها وازدحامها اثبات للنسبية..
…..
مشهد خامس:
البارحة مساء لم تنقطع الكهرباء..
الاصوات تردد في المنزل:
الله يجيرنا.. خير ليش ما انقطعت الكهربا؟”
حين يصبح الامان في انقطاع الكهرباء….!
….
مشهد أخير:
البرد يقص العظام .. انا ارتدي الكثير من الثياب وجاكيت وحذاء ولا.ال البرد يعبر عظامي..
امر قرب احد الحدائق ..طفلة لم تتجاوز الرابعة تركض في الشارع حافية القدمين..
لم استطع التفكير بكم البرد الذي يعبر قدميها..
سالتها فاخبرتني “ماعندي شحاطة “
وعلمت من اختها ذو السنوات الست انها تسكن في الحديقة قادمة من الحجر الاسود
اخبرتها ان تنتظرني ساشتري لها الحذاء واعود
قالت لي”انا رح استناكي بس لاتهربي .. “
وضحكت..
اشتريت الحذاء وعدت سعيدة جدا.. انتظر ان ارى الفرحة بعينيها
لم تكن تنتظرني.. لم تعلق اي امل على عودتي..
بحثت عنها حتى وجدتها وحين اخرجت الحذاء من الكيس لاعطيه لها.. ظهر عدد كبير من الاطفال..لا ادري كيف خرجوا من وحشة المكان
  توزعت عيونهم حول الكيس ترقبني..واملوا علي احتياجاتهم
وانالا املك الاحذاء واحد..
حاولوا شد الكيس مني.. بدأ الاطفال بالشجار والعراك من اجل الكيس..

شعرت بالاختناق..بالسوء لمافعلته..
كرهت كل الدفء الذي يسكن اقدامي..
وكرهت الشتاء..

كم هزمنا الموت يا بلدي !

منذ الصباح الباكر, هرب السكر من دمي !

كنت في الشهرين الماضيين قد حبسته بإحكام في خلاياي ,واليوم صباحا حين عاود محاولاته الملحة في الهرب ..نجح ..

الدوار يطغى على جسدي, وصورة أمي في رأسي تطغى على كل شيء..

فهي التي كلما اعتراني هذا الدوار تقول لي: لا تغمضي عينيك !

وتشربني رغما عني الماء والسكر, وتحرص كل يوم في الصباح الباكر أن تضع السكاكر والشوكولا في حقيبتي

لأشعر أني طفلة في المريول الأزرق وفي طريقي إلى المدرسة!

إذا ..هي من حبست السكر في دمي الشهريين الماضيين !

وفي سفرها الذي طال أسبوع وقد يطول للأبد  اختل توازن كل شيء حتى جسدي ..

كنت أفكر كم اشتقت لأمي ..الوسائل الالكترونية كلها  لا تحمل الرائحة ولا الدفء ولا تروي الطمع !

و كلما اشتد الدوار يتردد صدى صوتها.. أبقي عينيك مفتوحتين !

ثبت نظري على النافذة ..

الطائرة تظهر في السماء, أصوات الرصاص تعلو وتنخفض..

عامل النظافة في الحارة يكنس الشارع بإتقان,

الجارة في البناء المقابل تسقي أصيص الزرع وتكنس سجادة وتعود لتوزع الماء هنا وهناك..

ثلاثة أطفال يجلسون على الأرض ويلاحقون سربا من النمل ويضحكون بصوت مرتفع , وحين تقترب الطائرة يقول أحدهم ”  أنا بقول هاد صوت صاروخ ” ..وتعلو الضحكات

الدوار يزيد هذياني, فتأخذني ضحكاتهم للضحكات التي عشتها في الأيام الماضية ..

حين أتى صديقي يرتدي معطفا لشخص لا يعرفه, حين خرج من بيته على عجل و”نزح” لبيت أقرباء أقربائه !

هطل المطر , يضحك وهو يخبرني ” الله وكيلك مابعرفه للزلمة يادوب بينا مرحبا وألح آخد هالجاكيت “

تذكرت كل النكات التي بتنا نوزعها على قصص نزوحنا وشوقنا لبيوتنا..

مرت ببالي قريبتي التي اختفى ابنها منذ أشهر , وتلك التي توفي ابنها, وتلك التي خطف وعاد ..

وتلك التي لم يعد.. جميعهن اليوم يبتسمن بين الحين والآخر !

اليوم في سورية, كلما رأيت الازدحام في الشوارع, كلما رأيت طفلا يلعب, كلما رأيت امرأة أو رجل يذهب للعمل بتصميم وارادة, كلما رأيت زملائي في العمل يصرون على النجاح, ,كلما رأيت تلميذا يقرأ بكتاب, كلما سافر أحد بحزن, كلما سافر أحد وعاد ليقول رغم كل الموت فقط هنا أدرك معنى الحياة, كلما رأيت بسمة على شفاه ما, كلما ألقى أحد نكتة, كلما عشق أحد ما, كلما أرسل رسالة غزل.. كلما اشتاق.. كلما فعلنا شيئا ما..

أدرك أننا هزمنا الموت !

هزمناه..!!

كم علمتنا سورية الحياة من رحم الموت..

 كم هزمنا الموت يا بلدي .. كم هزمنا الموت..

 صورة

عرزال -1

 صورة

كم مرة شعرت بتلك اللهفة إلى شخص ما, أو إلى أي من تفاصيله وتحركاته , تلك اللهفة المجنونة  التي تجعلك تلقي خلفها كل احتمالات التفكير وكل التفضيلات الأخرى , ولا تبالي بالنتائج  في سبيل إرضائها ؟

كم مرة شعرت بأن شخصا ما قادر على احتلال كفة الميزان الغالبة دوما , فلو وضع العالم بكل تفاصيله وضحكاته وفرصه ونشواته في إحدى كفتي ميزان  ووضع  ذاك الشخص في الأخرى لكانت كفته هي الراجحة, ولكنت سعيدا أكثر من لو أنك قد امتلكت الضحكات والنشوات كلها , سعيدا بكل تفاصيل هذه الكلمة ؟

كم مرة غزت وجهك عنوة تلك الابتسامة حين تفكر بشخص ما , ومهما حاولت ابقاءها في معتقل الروح كانت تأبى إلا التحرر إلى سطح وجهك ؟ , ليفهم البعض أنك واقع لا محالة في الحب وليظنك قليلو التجربة أحمقا يبتسم للاشيء

كم مرة أسرتك التفاصيل الصغيرة , تلك التي تصبح كشيفرات سرية لا يفهمها إلا أصحابها , كم مرة استطاعت أن ترسم لك عالما ساحرا بالغموض الذي فيه , الغموض الذي يراه الناس حين لايفهمونها ؟

فالصندوق الخزفي الصغير , هو تلك الهدية التي أرسلتها أنت عبر البريد قاطعة آلاف الكيلو مترات إلى حضن من تحب ليتذكرك كلّما فتحه وليضع فيه ربما ابتسامة , لكن هذا الصندوق الصغير بالنسبة للآخرين, كل الآخرين, هو مجرد صندوق خزفي صغير

وكلمة ” دائما ” هي مجرد كلمة من أربع حروف تعني الاستمرارية بالنسبة للآخرين الذين لا يملكون تفاصيل العالم الخاص ذاك الذي كانت فيه هذه الكلمة مفتاح أمان يردده نضال باستمرار , يقتل فيه المسافات فيردد لي “ندى , سأحبك دائما “

ليقتل بها كل حماقاتي الطفولية وغيرتي اللامنطقية وخوفي , خوفي المتزايد من إحصاء كل المسافات التي بيننا وكل ما تحتويه من تفاصيل . من جبال وأشجار وبيوت وحجارة وحصى وعصافير , وقصص وحكايا وساعات وأرقام ..

حين كانت تصل الرسالة من نضال  , أو يظهر رقمه في هاتفي كانت تلك اللهفة التواقة تعتريني لأكون على استعداد لإضرام الحرائق في  العالم من خلفي في سبيل قطرة الماء التي ستصل من تلك المكالمة الهاتفية.. وابتسم حين ينتهي حديثنا دون اكتفاء ساكنة في عالم التفاصيل الصغيرة التي لا يفهم  شيفراتها السرية إلا أنا ونضال , تلك  التفاصيل التي تشكل عرزالي  الآمن على شجرة تمسكت جذورها بالأرض ..

وكان نضال هو الأرض , هو كل الوطن الذي أهاجر منه إليه .. وأنفى من كل الأوطان لأحط رغم المسافات بين ذراعيه ..

كم مرة استطعت أن تبني عرزالا آمنا في أرض وطنك ؟

قد لا تستطيع فعل ذلك يوما .

قد لا تستطيع مهما حاولت امتلاك اللهفة تجاه شخص ما  , وقد لا يقدر أحد أن يستحوذ يوما كفة ميزانك الراجحة , قد لا تغزوك سطح وجهك  يوما ابتسامة , وقد لاتملك وطنا ولا أرضا ولا عرزالا للتفاصيل الخفية  , وقد لا تكون لديك أية رغبة في إحراق العالم , من أجل قطرة ماء ..

قد لا تمر يوما بذاك الذي يدعى ” حب ” , أو ربما هو لن يمر بك , لأنه يأتي دون سبب فنحن نحب شخصا ما دون أن ندري كيف أو متى أو لماذا , نحبه دون تعليل أو سبب , نحبه لأننا نحبه , فوجوده وغاية وجوده هما الأمران ذاتهما ..

لذلك , إن مرّ يوما وقرع أبوابك عليك أن تفتح الباب , و تجعل زيارته طويلة قدر الإمكان , و إن صالحتك الأمكنة و الأزمان , والعقد البشرية , ربما تقنعه بالبقاء لتتشاركا الأرض و تزرعا شجرة من أجل العرزال !

……

يتبع..

الصورة من الانترنت بعدسة إيهاب سلطان, عرزال في نهر زغرين