الأرشيف لـقصة

عشوائيـــات منسيــة (1)

الصورة من تصوير صديقي المبدع أحمد صاحب مدونة : http://syrtofolio.com/

وله تعود حقوق النشر

 

ملاحظة للبدء :  الأحداث قصة حقيقة ,قد تتشابه الأسماء فيها مع الواقع وقد تختلف , لا يهم , فلا أحد يبحث  هنا !

 

-1-

(( شوارع ))

 

لا نستطيع أن نتجاهل أننا ” أبناء شوارع ” أبناء الشوارع التي ترعرعنا بها .

ومن هنا تنبع تلك الأمنية  التي أتلوها كل صباح :

ليت الشوارع  , حين تُنسى ,  تُنسى وحدها .. ولكن النسيان حيت يأتي يأبى إلا أن  يحمل معه أُناسها

 وتفاصيل حياةكاملة تعبث داخلها .

 

أعود من عملي , أسير في الطرقات  وأنا أشعر أنها تبصقني ..

تبصق تعلمي , وعملي , وملابسي , ورفاقي , وكل أفكاري ..

لست أنتمي لهنا ..

أرفض ما حولي , وما حولي يرفضني , ويأبى القدر إلا أن يجمعنا في مكان واحد !

هنا في حارتنا ..

حيث النظرات تعريني حتى من ذاتي ..

 هنا أكره فصل الشتاء لأن الأمطار تكاد تُغرق ما حولها

و المزيج الطيني الذي يكسي الطرقات يكاد يأخذ ما تبقى من الحذاء , والرطوبة تكاد تفتت الجدران ..

وأكره فصل الصيف , فجميعنا نعلم المزيج الحَشَري المتأتي من الحر وأكياس القمامة

ولو أني كما أهالي حارتنا لا أملك عملا يخرجني من هنا  لما لاحظت مرور الخريف أو الربيع !..

ورغم تذمري الدائم من  اعوجاج الطرقات , أو انعدام الرصيف , أو كثرة المطبات والحفر

ومن  الروائح المنبعثة من المجارير أو القمامة , والأصوات والضجيج , والمشاهد والفوضى  ..

والأطفال التي تسير بلا ملابس تقريبا وتلعب بالطين والحجارة ..

إلا أني أعلم أن  تذمري هذا ليس إلا ” فشة خلق ” أستطيع البوح بها عاليا

وتبقى من الشكاوي التي استهلكت  الصحف , والبلديات , وبعض المنابر الخافتة ..

و أعلم ..  أن كل هذا يبقى ” شارع ” ويبقى , نوعا ما ,في قشور الحدث العشوائي الذي يعتري كل ما حولي ..

ويبقى ما هو داخل الجدران أشد ألما مما هو خارجه ..

فلو أنك لا تعلم ” صدفة ” أحدا من تلك البقعة لظننت كل شيء يقال مبالغة وافتراء

 ولكنت بقيت فرحا بمعدلات الفقر التي تنخفض وبنسبة التعليم التي ترتفع !!

هنا الحياة بتفاصيلها ..  تبقى محصورة في هذه البقعة المسوّرة التي لا يسمعها احد !

 

-2-

((نساء بلا رجال ))

 

هنا في حارتنا ..

مهما علمت عن الفقر تفاجئ أنك لا تعلم شيئا , ومهما علمت عن الجهل تفاجئ أنك لا تعلم أيضا !

 اغلب النساء هنا مكممات .. من الخارج بثياب سوداء لا تنفذ منها إلا العيون ,

 ومن الداخل بقيود الخوف والعادة والحرام والضلع القاصر !

وعلى الرغم من هذا .. يبرع الرجال بفتح ثقوب للكمامات حين يشاؤون

ورغم التخلف الجم هنا الرجال مثقفون بسياسة الازدواجية

حيث أن أغلب نساء حارتنا عاملات !

يسمح لهن الدخول والخروج ومحادثة الرجال أثناء العمل فقط

عاملات بلا شهادة , ومتزوجات برجال الصوت العالي واليد الطويلة والعطالة !

 

هناك أم رأفت تجوب المدن والبنايات العالية ” لتنظيف الدرج ” وإعالة زوجها المريض بتشمع الكبد !

ولا تأخذ أجرتها إلا بعد ما يشبه الشحادة من حرص أهالي البنايات السكنية ..

 

هناك أم هاني شابة جميلة لديها أربعة أطفال , متزوجة برجل لا يشبه فارس أحلامها كما كانت تخبرني

كلما كانت تأتي لتساعدني في ” التنظيف والتعزيل “

دوما تنظر في يديها بين التشققات التي خلفتها مساحيق التنظيف وتخبرني وكأنها تقرأ الكف ..

ليس فارس أحلامي وتستدرك نفسها ولكن الأحلام ليست من حقي !

كنت أتنهد .. وأنا اعلم أن الوضع لا فرار منه ..

 

أما دلال فكانت مشكلتها أنها لا تعمل !

وزوجها يابى أن يعيلها بعد أن رفضت مشاركته السرير لأسباب لا احد يعلمها ..

 ولا مكان آخر تذهب إليه ولا منزل تقصده بعد أن رفضها إخوتها  بتهمة الفجور

ومنعت أخواتها من إيوائها حرصا على ” سمعة رجال العيلة ” .

عائدة من عملي كعادتي

تطل جارتنا صفاء مثقلة بأكياس سوداء كبيرة وتقترب بصوتها العالي

-         السلام عليكم

-         أهلا صفاء كيف حالك ؟

-         حالي على حاله ( وتضحك ) وتتابع

-         “وصلتني بضاعة جديدة , مابدك تشوفيها ؟”

-         ” حضري القهوة , وبلحقك “

كانت صفاء شابة خفيفة الظل تبيع الثياب المهرّبة لتعيل أطفالها ,

صفاء لديها رجل , لكنه لا يملك من الرجولة إلا حروفها البالية

تزوج بأخرى وأنجب الأطفال

وحتى حين تذهب صفاء  لدار ” حفظ النعمة ” للاحسان ويعطونها بعض الثياب لاطفالها وبعض الاطعمة

يتسلل ليلا كاللص ويأخذ الصدقات لزوجته الأخرى

لتستيقظ صفاء ولا تجد شيئا في الخزائن او البراد

ودوما ينتهي سؤالها وسخطها بعلام اصابعه وحبّات مسبحته على وجهها ..

وباستغفاراته التي يعلو صداها في حارتنا ..

 

كانت صفاء تسوق للملابس بدعاية باهرة

 ” هذا الثوب من بيروت وهذا من  تركيا  “

وتخرج الثياب وتعيد طيها عشرات المرات في اليوم وتسير من منزل لآخر مع أصغر أطفالها الخمسة

اخترت قميصا ما من صفاء

-         كم سعره صفاء ؟

-         ” بحسبلك ياه بـ 325 والله بالجملة بـ 300″

كنت أضحك وأبكي معا على طيبة صفاء وبساطتها

أخبرتني والفرح يخرج من حنجرتها

- ” أجا عريس لأختي نجوى “

- عريس ؟

- ” أي هي بدها وأهلي ما عندهم مانع , بعدين الله يسلّك دربها ودرب أخواتها ,

أبي كبير ياليلى بتعرفي وما عد حملهم “

- الله يوفقها ..

قلتها بغصة فقد كنت أعلم أن نجوى تبلغ السابعة عشرة من عمرها  أكملت تعليمها الابتدائي فقط كأغلب الفتيات هنا

والعريس في حدود الثلاثين  ..

   خرجت صفاء .. وترك صوت إغلاق الباب دويّا في أذني 

جعلني أغمض عيني وأتذكر عرس البارحة والعروس ” ريم ” طفلة الثلاثة عشرة عاما التي نزعت منها أمها دميتها وزوجتها ..!

وشعرت بالارهاق من واقع دائري لا يتوقف عن التكرار ..

ومن عجز يقيده العجز ..

 

 

 

-3-

( ( نسبية ))

لم أقدر يوما أن أفسر  انتمائي إلى حيث لا انتمي !

 

رغم نكراني لحارتنا

فأنا أحبها , أحب أناسها الذين لا أحبهم !

أحب طرقاتها وشوارعها وجدرانها التي أتذمر منها ..

 

تطل صفاء كعادتها بأكياسها السوداء لمنزلي

أشعر بغصة في حلقها ..

             ما بك ؟

- “نجوى .. حردانة “

نجوى لم تزل في شهر عسلها كما يقال !

لم أعطي الموضوع الكثير من الأهمية .. فنساء حارتنا ” تترك منازلها اكثر ما تبقى بها “

اعتقدت انه امر طبيعي ..

-         لا بأس .. بكرا تتحسن الأمور

-         القصة كبيرة ..

-         شو صار ؟

وروت لي صفاء القصة ,..

قصة كتلك التي لا نستطيع مهما حاولنا تصديقها ..

زوج نجوى متزوج من اخرى  !

زوج نجوى يمارس معها ممارسات جسدية لا أخلاقية .

زوج نجوى  مهد الطريق لـ ” معلمه ” المسؤول الكبير  كي يغتصبها

زوج نجوى جعلها تعتاد  ” الحشيش ” و ” الخمر “

زوج نجوى يدرس شريعة في الجامعة !

 

وبقيت أيامــا بعد قصة نجوى .. طفلة السابعة عشر ..

أفكر كم عمرا عاشت نجوى في شهر واحد ..

وتعلمت كم هو نسبي مفهوم الزمن .. لكنه دوما في حارتنا يميل في نسبيته لأن يكون أطول وأضيق !

 

 

-4-

(( خارج النسيان ))

 

ليس صحيحا ان بعض القصص خير لها أن تبقى مدفونة بالنسيان  كي يحمي كبرياءها من الفضيحة !

حين يراق الكبرياء دفاعا عن الكبرياء ..

وحين يتحيط بنا الفضيحة خوفا من الفضيحة

حينها .. تبا للكبرياء .. وتبا للفضيحة .. وتبا للنسيان !

 

جميع نسائنا  يابون البوح دفاعا عن مظاهر بالية.. وان واتتهم لحظة شجاعة للبوح .. لا أحد ينتظر كلماتهم 

أم رأفت لازلت تعمل من اجل زوجها المريض وأصبحت تأخذ ابنتها الصغيرة معها كي تساعدها في التنظيف ..

أم هاني وجدت عشيقا يحقق طموح” فارس الأحلام ”  ولازالت تعمل  ولكن نقودها الآن تقسم على اثنين

ريم .. طفلة في الرابعة عشر من عمرها حامل بطفلها الأول

توفيت دلال .. من الجوع  ! دون أن توجه جريمة لزوجها ..

صفاء .. حامل الآن بطفلها السادس ..

نجوى  .. جاء زوجها وترك قرب باب منزل اهلها صناديق من الفاكهة والخضار وصحنين بيض وخبز  ..

فارتأى أهلها ” أن البنت لا تملك إلا  بيت زوجها “

ما أمر الشوق للخبز .. ما أمر الشوق للحلم .. وما أمر العجز !

 

في حارتنا ..

للقصص مقومات أخرى

القصص لا تنتهي..

وتبقى .. تدور وتدور وتدور ..

ولا يوقفها احد … إلا النسيان ..

 

 

وهم اسمه نضال

 

 

 

 

هو يمر في الساعة الخامسة قرب شجرة الليمون , يجلس على المقعد الخشبي في ظلها .

وانا في الساعة الخامسة أشتاق لشجر الليمون , يتعبني اشتياقي فأحط رحالي على ذات المقعد الخشبي .

نحن نمتلك هذا الموعد القدسي دون اتفاق مسبق , ودون وعود باللقاء غدا ..

نفتعلها وعودنا وكأنها صدفة موقوتة بدقة , مدبرة بلهفات العيون ..

حين ينتهي لقاؤنا .. أسير وعبق الليمون في أنفاسي .. لا أذكر كيف قضيت وقتي معه ..

فذاك المقعد أشبه بفقاعة تفصلني عن عالم البشر ..

تفصلني عن الأمراض والحروب , تفصلني عن أحزاني .. عمن فقدت وعمن سأفقد!

تفصلني عن أي يأس قد تولده الحياة يوما , تقصلني عن كل خيباتي ..

فحين أخرج من تلك الفقاعة وأعود بشرية ,

لا أجد من بقايا ذاكرتي إلا ابتسامة على شفتهي تخبرني أني في تلك الفقاعة اختبرت سعادة ملائكية

أحيانا .. أخرج من فقاعتي بأوراق ملونة .. بكلمات كثيرة كلها تخبرني برسالة واحدة انه يحبني حد اللاعودة !

وأحيانا .. أخرج بحفنة من ياسمين ينثرها من حولي كلما رآني ..

أذكر أنه أخبرني أخر مرة رأيته :         

_ شمس ! أريد أن أهديك وشاحا في ذكرانا الأولى , لكني لا أملك إلا شجرة ياسمين !

ضحكت بشقاوة ونظرت في عينيه ..

_ نضال ! إذن اغزل لي وشاحا من ياسمين ..

 في المساء قرب نافذتي ..لطالما راقبت الياسمين ورسائله ..

ابتلع كلماتها , أنحني مع ميلان حروفها , أستنشق علامات ترقيمها ..

وفي كل مرة تمنحني سعادة أكبر , وأملا أوسع ..

 

منذ أشهر لم يأتِ  !

سكنت ذاك المقعد في كل زواياه .. ونظرت طويلا في مكانه .. ولم أره !

بحثت عنه , تحت ظلال كل أشجار الليمون التي أعرفها .. ولا أعرفها

وكيف .. كيف لم أعد أستطع ان أجد نبتته بين نبتات ياسمين بلادي ؟!

أرسلت برقيات استغاثة إلى عنوانه الذي لا أعرفه !

كيف ؟ كيف أصبح الآن أهمية لعنوانه , لاسمه , لتاريخ ميلاده …؟

كم هو مرعب أن يختفي  إنسان من حياتك , ويضحي سرابا .. ولا تعلم كيف ولا إلى أين ..

كم هو مرعب أن أجوب الطرقات ليالٍ طويلة علي أجده وأنا أتأمل الوجوه .. فتمتزج الملامح في عيوني . ويختلط البشر ويصبحون سواء ..

ولا أجد نضال .. ومهما بحثت لا أجد الوشاح الذي أهداني  ..

 

فأهرع إلى رسائله .. أفتح الأوراق فأجدها فارغة من الكلمات !

كم هو مرعب أن ترحل الكلمات برحيل أصحابها …

كم هو مرعب أن أصل لنتيجة واحدة .. أنه لم يكن موجودا منذ البداية .. وأني أنا من خلقته  في أفكاري

لأعيش وهما  اسمه نضال  ..

 

 

 

الرقصة الخالدة ..

 

أحن لمباغتتك لي بكلمة  ” أحبك “  في وسط حديث منطقي

 أو شرح فلسفي أحدثك فيه عن ماهية الانسان أو عن شروح أرسطو .

أوأن تلقيها عليّ في وسط شجار عنيف ألملم فيه أشيائي في حقيبة ذكرياتي وأعلمك برحيلي الأبدي

لتسقط الكلمة في روحي  كعود ثقاب مشتعل  يحدث النشوة فوق ندفات ثلج أعماقي ويحول الحقيبة ومحتواها إلى رماد وتشبث وبقاء.

أحن لذلك الشغف الذي كنت تتوق لإرساله لي  بباقة من ورد جوري أبيض تعلم أني أعشق تقاءه ,

 أعشق خلوه من الرائحة  - لأن لاورد وجد يمكن أن يحمل رائحتك  .

ترسلها لي مع بطاقة صغيرة تخفيها بين الورود لأبحث فيها من جديد عن تلك الحروف الأربعة ..

أتوق لهمهماتك كطفل بريء كلما أردت الذهاب ,

-          ” سلمى , ابقي أكثر لا ترحلي “

فأحط الرحال وأنثر أشيائي من جديد وأتناسى مدى تأخري وأضرب العالم كله عرض الحائط..بعد كلمة “ابقي”

أشتاق لشوقك إلي !

أشتاق لصوتك بيبعث جرعات أمان تهدئ إدماني وجنوني ,

اشتاق عينيك اللتين كانتا تطيلان التأمل كلما لمحتاني صدفة ..

أشتاق أن تعتقلني بين كتفيك .. وتعلن غيرتك

أشتاق أن ترمي همومك بين كتفي ..وتنزف جراحك على كفي ..وتشعر بالراحة بعد لمستي..

أشتاق حقوقي الحصرية بك..

(ويلاااه ) كيف أحتمل اشتياق كل تلك الأشياء ..

 

سأختصر الكلام ….

أشتاق ” إليك ” وكم تتسع  تلك الـ ” إليك “  ..

            *                 *                    *

 

 أكره الاهتمام , فهو زائر مؤقت يرحل حين نعتاده ويجعلنا نقف على أطلاله ..بشوق وحسرة

أخبرتك قبلا ألّا تهتم بي !  ألاترغب بي !

ولكن الآن .. هلّا تحاول أن تخفي لامبالاتك ؟

 

بالله عليك .. لاتكن صديقي !

فلست أذكر متى  قررنا الصداقة ..

لاتكلمني وكأن شيئا لم يكن بيننا ..

وكأنك لم تترك بصمتك في كل زمان ومكان ..

في كل شارع و صورة وأغنية .. في كل ثانية ..

لا تكلمني الآن بالمنطقية .. لا تحدثني عن الحقيقة ..

لست أبحث عنهما .. لدي من الحقيقة ما يكفيني ..

أعد لي كذبتي .. وخذ حقيقتك ,

ودعني هنا أراقص الوهم الذي فتحت له بابي على موسيقا الفالس..

 فوحده الوهم قادر الآن أن يضحكني!

 

              *                 *                    *

 

  سأطردك من تفكيري  , وأنسحب بصمت  فأتا أكاد أنسى نفسي  وأنسى أفكاري وأنا استحضرك طوال الفكر ..

 سأطردك أنت وصداقتك وواجباتك وقيودك .. قررت أن أطردك أنت وشفافيتك المزعومة ..

  مع غيرتي واشتياقي وإدماني ..

لأراقص الفراغ ..بعد انتهاء رقصتي مع  الوهم …

 

بدأت يومي أصنع الابتسامة  بوهم آخر وأحملها بكل ثقلها وأضعها بين خدي ..

سأخرج من عالمي الذي اختصرته بدائرة مركزها أنت ..

لأزور اشكالا أخرى فيها أنت قطر خارجي .. أو خط موازي لخط تفكيري لايلتقي به  ..

سأزور أصدقائي العاتبين  , سأباشر عملي و سأرد التحية على ذلك الشاب الذي يعمل بالقرب مني ..

سأعتني بشكلي حتى حين لا أراك ..

سأنثر شعري الذي لطالما غطيتك به , ولطالما تغزلت به والذي في أيام صداقتنا المزعومة

أخبرتني بان أقصه لأجاري الموضة ..!

 

ها انا الآن أسير في الشارع ولا أفكر بك

بل أتمنى أن تمسك يدي ونسير كما اعتدنا  اليمين لي واليسار لك والوسط لعناق بدبنا ..

لكن لا..  التمني جزء من التفكير .. وأنا الآن لا أفكر بك !

 

ها أنا أقابل أصدقائي ..

أسمع قهقهاتهم … أسمع تشويشا من كلامهم .. فأنا لا أفكر إلا في مكانك المفقود هنا ..

لكن لا .. مكانك جزء منك .. وأنا لا أفكر بك !

يدور الحديث ويسألني سمير :

_ كيف نضال ؟ ألازال غارقا بك ؟

إذا .. هم أيضا لايعلمون مثلي .. متى كانت تلك اللحظة التي انتهينا بها .!

لماذا يتكلمون عنك ويمطروني  بوابل من أسئلة  .. ألا يعرون أني لا أفكر بك !

هربت من نظراتهم بكلمة :

-” كل شي تمام ” مع ابتسامة فيها النظرة تهرب من كل العيون

واعتذرت وذهبت للحمام

تأملت المرآة طويلا .. لأنظر لانعكاسي ..وأسأله كيف عساه نضال ؟

لماذا دوما ينتهي بنا تأمل المرآة عند حدود الحبيب .؟

لكن لا .. انعكاسي جزء متواطؤ منك  ..و أنا لا أفكر بك

 

ها أنا أودع الجميع وأستقبل القمر ..

أرفض العودة لمنزلي , فمنزلي وجدرانه يضيق المسافة إليك  ..

سأبقى أسير تحت حدود السماء , علّ زرقة السماء لاتذكرني بعينيك ..

أسير ..وأشتري كلما أراه حولي ,علّ النقود تحل مشكلتي  !

 علي أشغل نفسي بالثياب أو بالأطعمة المختلفة التي أكثرت منها أو علي أشغل نفسي بالتلبك المعوي !

 

ها أنا أرد التحية لذلك الشاب “الذي تراءى لي وكأنه أنت “

وأشعر أني أخونك …

 لكن لا .. خيانتك جزء منك , وأنا لا أفكر بك .. !

 

 

انقضى اليوم وأنا في كل ثانية أذكر نفسي بك , وبألا أفكر بك ..!

والآن تعبت من المعركة , تعبت الادعاء , تعبت الكبرياء

سأتصل بك ..

نعم فاليوم صنعت الكثير في نهاري سأجد كلاما أحدثك به .. ولا أضجرك

ولن يكون حوارنا باردا كعاداته الأخيرة  ,

لن تكون فيه لحظات الصمت التي يجب أن تلون بكثيف الكلام الذي يسكن الأفكار ويأبى الخروج في لحظة اشتياق ..

سأتصل بك ..

أبحث عن هاتفي في حقيبتي .. بين الأقلام والمناديل الورقية ودفتري الصغير و ” حلوى الشوكولا ” التي أستخدمها عوضا عن السجائر 

أبحث في حقيبتي المليئة بفوضى الحاجة  , فأنا بحاجة للفوضى في حقيبتي في خزانة ملابس ..لأكسر رتابة عالمي !

وحدك كنت تحب فوضى حقيبتي فيما يتململ الآخرون منها

لتخبرهم _ ” أعشق توهان عينيها بحقيبتها أعشق ضيق صبرها .. تنهيداتها الغاضبة “

 

ها هو هاتفي وجدته !

أمسكه..  ويبدأ النزاع ..

هل أتصل بك ؟ أم أسجل انتصاري اليوم بابتعادي يوما كاملا عنك !

ينتهي النزاع سريعا ..

تبا لانتصاري سأتصل بك …

يرن .. ويرن … ولا إجابة

لعلك لم تسمعه , أحاول من جديد ..

لا إجابة !

من جديد ..

لا إجابة !

تنتهي المعركة وأنا أضحك شفقة على نفسي

دون ان تدري أنت أن معركة ما دائرة أنت سببها المباشر

لأنام محاطة بأشلاء روحي التي خلفتها آثار تلك الحرب!

 

   *                         *                      *

و استمرت الحرب ليالي طويلة ..

ولكني اليوم ..لا أدري كيف افترقنا !!

كلما حاولت الرجوع بالذاكرة لا أجد ذلك المكان أو ذلك الزمان

 الذي أعلنا فيه أن نطوي صفحة الحب بهدوء ودبلوماسية .!

.. كيف لي ألا أذكر

هل هي الصدمة العنيفة أفقدتني ذلك الجزء من ذاكرتي ؟

أم أننا طوينا تلك الصفحة تدريجيا , بالبرود واللااهتمام والألم .. ولم نشعر متى فعلنا ! ولم نعد نبالي إن كنا فعلنا ؟

هل هي الرغبة تموت تدريجيا  بعد ارتوائها  ؟  أم هي تموت لعدم ارتوائها ؟

 أم هي الرغبة قدرها أن تموت في كل الأحوال وتجر معها ذيول الحب .؟

أم هو الحب والاهتمام يخبوان تحت ظلال الوقت ؟

أم تراها  المراحل في الحب مقدر لها أن تسير في قافلة  ,

 فتنتهي الرومانسية الخيالية وتبدأ المنطقية الحقيقية تتبعها النهاية الدراماتيكية وتختم الحكاية بأماني النسيان ؟

 

لا .. بل هي الرغبة  المكبوتة بألا أذكر ..

فالحب ليس مراحل تنقضي فهو إما يكون أبدا وإما لا يكون ..

الحب  زائر دائم يتشبث بالأعماق .. يبهجها يؤلمها يرثيها يهديها بعد الألم قليلا من النسيان !

وأنا ياصديقي فُرض علي ان أترك حروبي وأتابع حياتي بدونك بحكم قانون البقاء ..

حكم علي ان أنسحب لأحفظ الكبرياء

وأنهي مهزلة القتل التي كنا نمارسها يوميا

نقتل روعة ماضينا ببرود حاضرنا ..

إن كنت  تناسيت المستقبل منذ بدأ عصر جنوني بك ,

وإن كان الحاضر حقيقة مرّة تلتهم سكاكر الأمس  

فلم يبق لي إلا التاريخ الغابر ليقربني منك

قررت أن أنسحب لأحفظ ثروتي من ذكرياته

وأستحضر روحك منه وأدعوها شريكا متالقا أراقصه  اليوم وغدا و كل مساء..!

موعـــــــد

 

Red Dress Art Print by Michael J. Austin 

الليلة ..  

سأرتدي فستاني الوردي  الذي يحبه ..

سأضع آخر عقد أهداني إياه ليكفر عن بقايا شعور بالذنب خّلفه حبنا المنصرم

سأتزين بأحمر الشفاه الوردي وبالكحل العربي ..

سأتعطر .. سأعطر كل مساماتي ..

سأطلق شعري للريح تصففه كما تشاء ..

 

انتظرت هذه الليلة منذ سنين ..

منذ تجمد تفكيري – بجليد ضميره -عن إحصاء خياناته معها ..

منذ اعتدت الغيرة حتى فقدتها .. وماعدت أبالي ..

 

منذ مللت من تلك المسرحية الباردة , المضجرة , ومن دور الغباء واللا انتباه الذي كنت أمثله باتقان مؤلم ..

ومن جعله يصفق لنفسه ولذكائه المزيف .. في كل مرة يظن أنه نجح بلعبة الاختباء ..

 

 

أنتظر هذه الليلة ..

منذ جفت ريشة الأسى التي كنت أرسم بها  ابتسامة الرضى على وجهي المحترق بدموع كبريائي ..

منذ نفذت مني المبررات الوهمية التي كنت أخترعها له ,, أو ربما أخترعها لي ..

منذ أدميت يداي بمحاولاتي ترميمم ما يكسر ..

منذ تحجرت قلبا وجسدا و عجزت عن الغفران … حتى لنفسي

 

الليلة موعدنا  ..

فقد انتهت مدة الاحتضار

ماتت روحي  ,, وكذلك كرامتي وضميري وانسانيتي ..

اليوم مات أي إحساس قد ينبض في مسماتي حتى الحزن ما عدت أشعر به ..

 

والليلة لن أضعف ,, سأتسلح بها ..

الليلة سأتذكر أنفاسها التي كانت تنقل إلي ممزوجة مع أنفاسه ..

سأذكر عطرها .. وأحمر شفاهها ..

سأذكر بصماتها المحفورة على جسده وذاكرته وأفكاره ..

 

 

حقا !! أتوق شوقا لهذه الليلة ..

 

نعم ..

سأخونه اليلة

وسأدعي الغباء من جديد ..وأ ترك خلفي كل دليل يوصله إلي ..

سأخونه الليلة

مرفوعة الرأس , مرتاحة الضمير ..  محتقرة له و لذاتي ..

 

 

دقيقة .. وثانية

 

 

I wanna hold your hand by batega.

 

اليوم..

 

 كان يمارس شعائر حبنا مثل أول ليلة التقيت به وجمعنا الحب في ليلة شتاء زمهريرية ,

ذلك اليوم الذي شيّد لي به من جسده  مظلة تحميني من دموع السماء الغزيرة ,

وبقينا سنين.. جسده مظلتي وجسدي سنده الدائم ..

 

 

 

اليوم ..

 

عاد في وقته المحدد مع دقات الساعة التاسعة ..

قبلني على وجنتي كما يفعل عادة , ويده على كتفي في ذات المكان الذي حفرت عليه بصماتها اليتيمة .

حدثتني بكلماته. حاك لي تفاصيل يومه ..

 

لكن اليوم .. هناك شيء مختلف  .

شيء في صدى صوته , شيء في رقصات يديه وهو يتحدث  ,

 شيء ما مختلف في رعشات أصابعه , في تواتر تنهيداته , في حدود ابتسامته .

 

شيء مختلف في لمعة عينيه وهو ينظر إلي ,, في  سيرهما , خطاها تهرب من عيني ,

 تناورها وتتخطاها إلى الكوب الموجود على المائدة , أو إلى الاهتمام بنزع الخيط العالق في ثوبي الأسود الطويل .

 

 

شيء ما مختلف .. , في اهتمامه بي  أراه  يسير على خطى الواجب عوضا عن خطى اللهفة  ,

وكم أكره أن يتحول الاهتمام إلى واجب , فالواجب مسؤولية والمسؤولية عبئ , والحب لا يحمل الأعباء !

 

تخطت الساعة الثانية عشر

 تمددت قبالته في السرير ..

قالها بصوت خافت : أحلاما سعيدة حبيبتي . وأطفأ الضوء

 

شيء ما مختلف حتى في أمنيته اليوم ..

 

وسرحت مع أفكاري ..

أهو هوس كاذب يعتريني ؟.. وكيف له ان يكون كاذب ,,؟

تفاصيله الصغيرة أحفظها ..رغم انه يمارسها بنفس الدقة

إلا أنها بعيدة اليوم ..

بعيدة جدا كلماته .. باردة لمساته ..

 

لماذا ؟

هل أوقظه لأسأله ؟ هل أتشاجر معه ؟

هل احقد عليه ؟ هل أكرهه ؟ هل أخبره بأني أحبه ؟

هل أفجر رغبتي بالبكاء تحت ظلال كتفيه ؟

 

هل هو الضجر ؟ هل اعتادني إلى حد الاستهلاك ؟ هل سأبقى أشعر دوما ان هناك شيء مختلف ؟ وكلما مر يوم من الضجر  سيختلف شيء جديد ؟

 

 

هل هو متعب ؟ هل هو مريض ؟ هل حدث شيء لا يريد أن يخبرني به ؟

 

 

هل هي أنثى أخرى ؟

هل هي أذكى مني ؟ هل هي أجمل ؟ .. مؤكد انها غامضة الآن أكثر مني

لكن لن تكون أدفئ مني لن تحبه أكثر ..

كيف له أن يخونني ؟ كيف له أن يفكر بأخرى ؟

 

لابد ان اتوقف عن سلسلة أفكاري .. قبل أن اصل بجنوني إلى اكتشافات أخرى ..

 

 

ودقت الساعة الثانية عشر ودقيقة ..

 

مرت دقيقة طويلة ,, كانت أطول من عمري كاملا ..

دقيقة شك وحيرة وألم وخوف ووحدة ..

دقيقة لم يكن فيها الامان الذي اعتدته منذ التقيته ..

دقيقة واحدة استطاعت أن تمزقني ..

 

ولأنه مثلي قادر على قراءة تفاصيلي ..

لأنه الآن يعرف أن أمرا يحث في أفكاري

لأنه يعرف أن طيفه شرد بعيدا عني ..


التفت إلي  .. وهمس لي

لا تقلقي . أنا بخير… سامحيني

 

ولكن لا أشعر أنك قادرة على النوم

وشد مطولا على يدي .. 

 

قالها بثانية ..  حررت جميع ما قبلها من دقائق ..

 

 

 

 

عرفت خلالها , أن الفتور و الشك جنون طبيعي بالحب ..

 

عرفت  أن الوقت دوما أمر نسبي..

و أن دقائق جنوني دوما سيردفها دفء ثوانيه ..