


وأخيرا غزّة ..
أعلن مصاصو الدماءمنذ قليل اكتفاءهم ..
ستتوقف ألعاب النار من الانفجار في سمائك
ستتوقف دماء الأبرياء, ستتوقف سرقة الأحبة من أحضانك الحنونة ,
ستتوقف لحظات الوداع الموجعة
وأخيرا غزّة ..
ستتوقف تلك الهمجية , واللانسانية ,ستتوقف مشاهد القتل المباشرة ..
هنيئاً لك غزّة ..
اندحرت الحرب دون مبادرات عربية , دون وساطات أجنبية , دون أمم متحدة , دون رأفة من أحد
دون مزيد من الأكاذيب..,هي الحرب خجلت من نفسها وتوقفت , قبل أن يخجل هؤلاء ..
هنيئا لك ..
سترتاح أذنيك ليس فقط من دوي القنابل
بل من أصوات الخطب والتصريحات ومن المفاوضات والمزيد المزيد من التفاهات
هنيئا لك..
كل شهيد سقى أشجار الزيتون والليمون بدمائه الزكيّة ,
فغرس جذورا من ذهب في أرضك وترك لنا كنزا فيها خارطته الصمود ..
هنيئا لك غزة ..
أمتارك القليلة رسمت معنى آخر للصمود , للصبر , للتحدي ..
علّمتنا كيف تكون الحياة .. علمتنا أننا على هامش الحياة
أمتارك القليلة .. حرّكت كل شعوب العالم نصرة لكِ , وحدت كل الحناجر تحت صدى اسمكِ ..
أمتارك القليلة أسقطت كل الأقنعة عن حامليها..
هنيئا لكم أطفال غزّة ..
كل جرح حملتموه , كل تشوه خلفته الحرب الهمجية على أجسادكم هو وسام يعلق على صدور الوطن ,
يعلق على صدورنا الخجلة وعجزنا المؤلم ..
هنيئا لك غزّة .. لا بل هنيئا لنا غزة بكِ..
هنيئا لنا..
إن استطاع أطفالك اليتامى أن يغفروا لنا , أو أمهاتك الثكالى وشيوخك أن يرضوا عنا ..
إن استطاعت بيوتك المهدمة وذكرياتك المسلوبة أن تغفر هي الأخرى لنا .
هنيئا لنا إن استطعنا النوم ولم تلاحقنا وجوه الأبرياء حتى في يقظتنا .
هنيئا لنا ..
إن استطعتِ يوما أن تسامحينا .
يا تلاميذ غزة
علمونا
بعض ما عندكم
فنحن نسينا
علمونا
بأن نكون رجالا
فلدينا الرجال
صاروا عجينا
علمونا
كيف الحجارة تغدو
بين أيدي الأطفال
ماسا ثمينا
كيف تغدو
دراجة الطفل لغما
وشريط الحرير
يغدو كمينا
كيف مصاصة الحليب
إذا ما اعتقلوها
تحولت سكينا
يا تلاميذ غزة
لا تبالوا
بأذاعاتنا
ولا تسمعونا
اضربوا
اضربوا
بكل قواكم
واحزموا أمركم
ولا تسألونا
نحن أهل الحساب
والجمع
والطرح
فخوضوا حروبكم
واتركونا
إننا الهاربون
من خدمة الجيش
فهاتوا حبالكم
واشنقونا
نحن موتى
لا يملكون ضريحا
ويتامى
لا يملكون عيونا
قد لزمنا جحورنا
وطلبنا منكم
أن تقاتلوا التنينا
قد صغرنا أمامكم
ألف قرن
وكبرتم
خلال شهر قرونا
يا تلاميذ غزة
لا تعودوا
لكتاباتنا ولا تقرأونا
نحن آباؤكم
فلا تشبهونا
نحن أصنامكم
فلا تعبدونا
نتعاطى
القات السياسي
والقمع
ونبني مقابرا
وسجونا
حررونا
من عقدة الخوف فينا
واطردوا
من رؤوسنا الافيونا
علمونا
فن التشبث بالأرض
ولا تتركوا
المسيح حزينا
يا أحباءنا الصغار
سلاما
جعل الله يومكم
ياسمينا
من شقوق الأرض الخراب
طلعتم
وزرعتم جراحنا
نسرينا
هذه ثورة الدفاتر
والحبر
فكونوا على الشفاه
لحونا
أمطرونا
بطولة وشموخا
واغسلونا من قبحنا
اغسلونا
لا تخافوا موسى
ولا سحر موسى
واستعدوا
لتقطفوا الزيتونا
إن هذا العصر اليهودي
وهم
سوف ينهار
لو ملكنا اليقينا
يا مجانين غزة
ألف أهلا
بالمجانين
إن هم حررونا
إن عصر العقل السياسي
ولى من زمان
فعلمونا الجنونا
يرمي حجرا
أو حجرين
يقطع افعى اسرائيل الى نصفين
يمضغ لحم الدبابات
ويأتينا
من غير يدين
في لحظات
تظهر ارض فوق الغيم
ويولد وطن في العينين
في لحظات
تظهر حيفا
تظهر يافا
تأتي غزة في أمواج البحر
تضيء القدس
كمئذنة بين الشفتين
يرسم فرسا
من ياقوت الفجر
ويدخل
كالاسكندر ذي القرنين
يخلع أبواب التاريخ
وينهي عصر الحشاشين
ويقفل سوق القوادين
ويقطع أيدي المرتزقين
ويلقي تركة اهل الكهف
عن الكتفين
في لحظات
تحبل أشجار الزيتون
يدر حليب في الثديين
يرسم أرضا في طبريا
يزرع فيها سنبلتين
يرسم بيتا فوق الكرمل
يرسم أما تطحن عند الباب
وفنجانين
في لحظات تهجم رائحة الليمون
ويولد وطن في العينين
يرمي قمرا من عينيه السوداوين
وقد يرمي قمرين
يرمي قلما
يرمي كتبا
يرمي حبرا
يرمي صمغا
يرمي كراسات الرسم
وفرشاة الألوان
تصرخ مريم يا ولداه
وتأخذه بين الأحضان
يسقط ولد
في لحظات
يولد آلاف الصبيان
يكسف قمر غزاوي
في لحظات
يطلع قمر من بيسان
يدخل وطن للزنزانة
يولد وطن في العينين
ينفض عن نعليه الرمل
ويدخل في مملكة الماء
يفتح أفقا آخر
يبدع زمنا آخر
يكتب نصا آخر
يكسر ذاكرة الصحراء
يقتل لغة مستهلكة
منذ الهمزة حتى الياء
يفتح ثقبا في القاموس
ويعلن موت النحو
وموت قصائدنا العصماء
يرمي حجرا
يبدأ وجه فلسطين
يتشكل مثل قصيدة شعر
يرمي الحجر الثاني
تطفو عكا فوق الماء قصيدة شعر
يرمي الحجر الثالث
تطلع رام الله بنفسجة من ليل القهر
يرمي الحجر العاشر
حتى يظهر وجه الله
ويظهر نور الفجر
يرمي حجر الثورة
حتى يسقط آخر فاشستي
من فاشست العصر
يرمي
يرمي
يرمي
حتى يقلع نجمة داوود
بيديه
ويرميها في البحر
تسأل عن الصحف الكبرى
أي نبي هذا القادم من كنعان ؟
أي صبي
هذا الخارج من رحم الأحزان ؟
أي نبات أسطوري
هذا الطالع من بين الجدران ؟
أي نهور من ياقوت
فاضت من ورق القران ؟
يسأل عنه العرافون
ويسأل عنه الصوفيون
ويسأل عنه البوذيون
ويسأل عنه ملوك الجان
من هو الولد الطالع
مثل الخوخ الأحمر
من شجر النسيان ؟
من هو هذا الولد الطافش
من صور الأجداد
ومن كذب الأحفاد
ومن سروال بني قحطان ؟
من هو هذا الباحث
عن أزهار الحب
وعن شمس الإنسان ؟
ومن هو هذا الولد المشتعل العينين
كآلهة اليونان ؟
يسأل عنه المضطهدون
ويسأل عنه المقموعون
ويسأل عنه المنفيون
وتسأل عنه عصافير خلف القضبان
من هو هذا آلاتي
من أوجاع الشمع
ومن كتب الرهبان ؟
من هو هذا الولد
التبدأ في عينيه
بدايات الأكوان ؟
من هو
هذا الولد الزارع
قمح الثورة
في كل مكان ؟؟
يكتب عنه القصصيون
ويروي قصته الركبان
من هو هذا الطفل الهارب من شلل الأطفال
ومن سوس الكلمات ؟
من هو ؟
هذا الطافش من مزبلة الصبر
ومن لغة الأموات ؟
تسأل صحف العالم
كيف صبي مثل الوردة
يمحو العالم بالممحاة ؟
تسأل صحف في أمريكا
كيف صبي غزاوي
حيفاوي
عكاوي
نابلسي
يقلب شاحنة التاريخ
ويكسر بللور التوراة ؟؟
نزارقباني

من قلب غزة كل يوم صمودٍ يخرج للمعتدين نداء :
أغلقوا المعابر , اسرقوا الرغيف , مدّوا الحصار
مهما فعلتم , لن تسقفوا فوقنا السماء .
اهدموا البيوت فوقنا .. ما شئتم
ليس الركام لنا إلّا ذخيرة وحجارة
دنسوا المساجد , حطموها إن أردتم
لنا ربٌّ يسمع من كل مكان صلاتنا والدعاء
اقتلونا , شوهونا , انثروا الأشلاء
أنتم تصنعون من دمائنا حبراً يخط التاريخ والحضارة
صمّوا آذانكم عن الإنسانية ,املؤها بالرمال
لنا صوت الحق قنبلة تدوي , أرواحنا له فداء
شرِدونا , يتمونا , اقتلوا أطفالنا والنساء , شيوخنا والرجال
كلّ ألم في داخلنا حريق ينير دروب نضال وحياة
اسرقوا ثيابنا , ألعاب أطفالنا , ذكرياتنا
مهما احترفتم , لن تسرقوا من أنفاسنا الهواء
استمروا في حروبكم , في همجيتكم .. ما استطعتم
ستنجلون يوما , سنطردكم , ونتنفس الصعداء
مهما فعلتم , سيبقى الواقع في وجهكم شرارة :
نحن المقاومون , وأنتم الدخلاء

|
تحيط خاصرتها بالألغام .. وتنفجر .. لا هو موت .. ولا هو انتحار
محمود درويش |

أتتبع الأخبار , وذلك السباق الذي تخوضه أرقام الشهداء والجرحى مع الوقت
وأتابع كيف تسبق دفقات الدم دقات الوقت .
أتابع ارتفاع العدد بعجز تام , وأضغط على أعصابي ..
واسأل نفسي ماذا أفعل ؟
أريد أن أفعل شيئا , أي شيء ,تقتلني مراقبة الأعداد ترتفع وأنا أرقبها بصمت .
حين تظاهرت , حملت الشموع ..
وبقيت أشعر بأني أفعل ما أفعله لأحسّن حالتي أنا , وأقنع نفسي بأني ساعدت غزّة بشيء ما, فكرهت نفسي وأنانيتي أكثر ..
بكيت .. كلما شاهدت جثث الأطفال , ودموع الأمهات الثكالى , والأرامل
كلما شاهدتهن يفتشن بين الجثث .. بعيون تائهة ودعاء صامت ..
كلما شاهدت المستشفيات المكتظة ..
وكلما راقبت تلك المساعدات التي أرسلت وتمنعها يد الظلم من الوصول
وتمنيت لو نستطيع أن نرسل دموعنا مياها نقية لأهل غزة ..
شتمت .. كما لم أفعل قبلا ..
شتمت اللا انسانيين الاسرائيليين .
شتمت أولئك الذين يحملون أجهزة التحكم بالمعابر , يضغطون زر موت الضمير ويغلقون المعبر ..
يدهشني كيف يستطيعون النظر إلى كاميرات التلفزة ومحاولة تبرير لموقف لا يبرر بكذبات لا يستطيع أن يصدقها
حتى طفل , وبخاصة طفل فلسطيني عالمه يحتضر ..
أي طفل فلسطيني الآن إما يتيم , وإما شهيد , وإما مهدد بالموت في أي لحظة ..
جففت القليل من دموعي تلك الجموع الإنسانية في كل مكان التي خرجت تصرخ بملء حناجرها من أجل غزة ..
كل مكان يرى أنها جريمة إلا المعنيون بهذا ..
وشتمت من جديد .. التفاهات .. والترهات ..
أي حقوق إنسان هذه ؟
أي وطن عربي هذا ؟
وتدهشني كلمة ” طارئة ” .. نعم ..ستعقد قمة طارئة يوما ما ..
الآن أعيد بمعجمي تعريف كلمة طارئة ..
هل تستطيع أن تقبل عقولنا وأعصابنا الآن أن الاختلاف هو أين سنجتمع ومتى وكيف ومن سيأتي
والخوف من الحساسيات ؟
هل لا زلنا نستطيع احتمال أن الامر لازال قيد التفاوض ؟
تباً للتفاهات والترهات .
أليس الأهم حياة الأبرياء ؟
ألملم غضبي
وأعود للتفكير كيف ستحل المشكلة ؟ ماذا علينا أن نفعل ؟
لنناجي الأمل ولا نستسلم لليأس , وندعو الله ..ونمسك الإيمان بالحق ,
أدركت نهاية أننا لا نملك الآن إلا أصواتنا ..لنصرخ بملئ الحناجر
غزة لن تموت .. لن تموت ..
أعود لشرودي مع الأرقام .. وكيف ستحل المشكلة ؟
هل سيستمر عدد الشهداء بالارتفاع إلى أن يموت كل سكان غزة فتحل المشكلة ؟
وأتذكر تلك العبارة ” كل ليمونة ستنجب طفلا ومحال أن ينتهي الليمون ”
فأدرك أنه إن مات كل سكان غزة سيبقى هناك أمهات تحت الأنقاض تنجبن آخر أطفالهن ..
لتابع غزة من جديد حياتها ..
غزة لن تموت ..
فالحق يتوه ولكن لا يموت ..